الشيخ محمد الخضري بك
261
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
[ وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته ، وتؤدته ، ومروءته ] وأما وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته ، وتؤدته ، ومروءته ، وحسن هديه ، فكان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه ، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه « 1 » ، وكان إذا جلس احتبى بيديه ، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا « 2 » . وكان كثير السكوت ، لا يتكلّم في غير حاجة ، يعرض عمن تكلّم بغير جميل ، وكان ضحكه تبسّما ، وكلامه فصلا ، لا فضول ولا تقصير ، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم ؛ توقيرا له ، واقتداء به ، مجلسه مجلس حلم وحياء ، وخير وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن « 3 » فيه الحرم ، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطّير . وقال ابن أبي هالة : كان سكوته صلّى اللّه عليه وسلّم على أربع : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكّر . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : كان صلّى اللّه عليه وسلّم يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه « 4 » ، وكان يحبّ الطيّب والرائحة الحسنة ، ويستعملها كثيرا ، ويحضّ عليهما . ومن مروءته صلّى اللّه عليه وسلّم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب « 5 » . والأمر بالأكل مما يلي « 6 » . والأمر بالسواك « 7 » وانقاء البراجم « 8 » والرواجب « 9 » . [ زهده ص في الدنيا ] وأما زهده عليه السلام في الدنيا فقد قدمنا لك فيه ما فيه الكفاية ، وحسبك شاهدا على تقلّله منها ، وإعراضه عن زهرتها ، وقد سيقت إليه بحذافيرها ، وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفّي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله « 10 » . وهو يدعو ويقول : « اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا » « 11 » .
--> ( 1 ) حديث مرسل أسنده المصنف عن طريقة أبي داود في المراسيل . وفي إسناده عمرو بن عبد العزيز بن وهيب قال الحافظ في التقريب : مجهول ( أوقر الناس ) من الوقار : الحلم والرزانة . ( 2 ) رواه الترمذي . ( 3 ) لا ترمي بصريح ولا تذكر بقبيح . ( 4 ) رواه الشيخان . ( 5 ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح . ( 6 ) رواه الشيخان . ( 7 ) رواه النسائي وأحمد وعبد الرزاق وغيره من حديث أبي هريرة وصححه ابن خزيمة والحاكم ووافقه الذهبي وعلقه البخاري بصيغة الجزم وفي الصحيحين « مع كل صلاة » بدل « مع كل وضوء » وهو لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء . ( 8 ) جمع برجمة وهي مفصل الأصابع من ظاهر الكف . ( 9 ) رواه أحمد . والرواجب : مفاصل الأصابع من باطن الكف . ( 10 ) رواه الشيخان . ( 11 ) رواه الشيخان وقوتا : هو كفايتهم من غير اسراف .