الشيخ محمد الخضري بك

254

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » وقال : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ « 2 » . وقد تضافرت الأخبار على اتّصافه عليه الصلاة والسلام بنهاية هذه الأوصاف ، فما من حليم إلّا عرفت منه زلّة ، وحفظت عنه هفوة « 3 » ، ونبيّنا لا يزيد مع كثرة الإيذاء إلّا صبرا ، وعلى إسراف الجاهل إلّا حلما . قالت عائشة رضي اللّه عنها : ما خيّر عليه الصلاة والسلام في أمرين قطّ إلّا اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمة اللّه ، فينتقم للّه بها « 4 » ، ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أحد ، وطلب منه أن يدعو عليهم قال : « اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون » « 5 » . وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين اذوه واستهزؤوا به ، وأخرجوه من دياره ، هو وأصحابه ، ثم قاتلوه ، وحرّضوا عليه غيرهم من مشركي العرب ، حتى تمالأ عليه جمعهم ، ثم لمّا فتح اللّه عليه مكّة ما زاد على أن عفا وصفح ، وقال : « ما تقولون : إني فاعل بكم ؟ » قالوا : خيرا أخ كريم ، وابن أخ كريم فقال : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » « 6 » وعن أنس : كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال : يا محمّد احمل لي على بعيريّ هذين من مال اللّه عندك « 7 » ، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك ، فسكت النّبيّ ثم قال : المال مال اللّه ، وأنا عبده ، ثم قال : ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي ، قال : لا ، قال : لم ؟ قال : لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة « 8 » فضحك عليه الصلاة والسلام ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير ، وعلى الاخر تمر . قالت عائشة : ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ، ما لم تكن حرمة من محارم اللّه تعالى ، وما ضرب

--> ( 1 ) سورة النور اية 22 . ( 2 ) سورة الشورى اية 43 . ( 3 ) أي غلطة . ( 4 ) رواه الشيخان وأبو داود . ( 5 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلا . ورواه الشيخان بلفظ ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ( 6 ) رواه ابن سعد والنسائي وابن زنجويه . قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء رواه ابن الجوزي في الوفاء من طريق ابن أبي الدنيا فيه ضعف . ( 7 ) إلى هنا رواه الشيخان وأخرجه بلفظ المصنف البيهقي في الأدب من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 8 ) أخرجه بلفظ المصنف - البيهقي الأدب وأخرجه مختصرا الشيخان ( يقاد منك ) : يقتص منك .