الشيخ محمد الخضري بك

253

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

باصطفاء اللّه لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ، وهذه الأخلاق المحمودة ، والخصال الجميلة كثيرة ، ولكنا نذكر أصولها . ونشير إلى جميعها ، ونحقّق وصفه عليه الصلاة والسلام بها إن شاء اللّه . فأصل فروعها ، وعنصر ينابيعها ، ونقطة دائرتها : فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة ، ويتفرّع عن هذا ثقوب الرأي ، وجودة الفطنة ، والإصابة ، وصدق الظن ، والنظر للعواقب ومصالح النفس ، ومجاهدة الشهوة ، وحسن السياسة والتدبير ، واقتناء الفضائل ، وتجنّب الرذائل . وقد بلغ عليه الصلاة والسلام منه ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه . ويعلم ذلك من تتبّع مجاري أحواله ، واطّراد سيره ، وطالع جوامع كلمه ، وحسن شمائله ، وبدائع سيره ، وحكم حديثه ، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة ، وحكم الحكماء ، وسير الأمم الخالية ، وأيامها ، وضرب الأمثال ، وسياسات الأنام ، وتقرير الشرائع وتأصيل الآداب النفسية ، والشيم الحميدة ، إلى فنون العلوم التي اتّخذ أهلها كلامه فيها قدوة ، وإشارته حجة : كالطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك دون تعليم ، ولا مدارسة ، ولا مطالعة كتب من تقدّم ، ولا الجلوس إلى علمائهم ، بل نبي أميّ لم يعرف شيء من ذلك ، حتى شرح اللّه صدره ، وأبان أمره ، وعلّمه . وبحسب عقله كانت معارفه عليه الصلاة والسلام إلى سائر ما علّمه اللّه ، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان ، وعجائب قدرته ، وعظيم ملكوته قال تعالى : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً « 1 » . [ الحلم والاحتمال والعفو والقدرة ، والصبر على ما يكره ص ] وأما الحلم والاحتمال والعفو والقدرة ، والصبر على ما يكره ، فمما أدب اللّه به نبيه ، فقال : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ « 2 » ، وقد سأل عليه الصلاة والسلام جبريل عن تأويلها . فقال : يا محمد ، إن اللّه يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك « 3 » ، وقال له : وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ « 4 » وقال : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ

--> ( 1 ) سورة النساء آية 113 . ( 2 ) سورة الأعراف آية 199 . ( 3 ) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طريق مسلم . ووصله ابن برؤبه من حديث جابر . ( 4 ) سورة لقمان آية 17 .