الشيخ محمد الخضري بك

252

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

وأحلّت له الغنائم ، ولم تحلّ النبي قبله ، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز واليمن ، وجميع جزيرة العرب ، وما دانى ذلك من الشام والعراق ، وجلب إليه كثير من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ، وهاداه « 1 » جماعة من ملوك الأقاليم ، فما استأثر بشيء منه ، ولا أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه ، وأغنى به غيره ، وقوّى به المسلمين ، وقال : « ما يسرني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار إلّا دينارا أرصده لديني » « 2 » وأتته دنانير مرة فقسّمها ، وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها ، وقال : « الان استرحت » ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله « 3 » . واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه ، وزهد فيما سواه ، فكان يلبس ما وجده ، فيلبس في الغالب الشّملة « 4 » ، والكساء الخشن ، والبرد « 5 » الغليظ ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوّصة بالذهب « 6 » ، ويرفع لمن لم يحضره ، فأنت ترى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حاز فضيلة المال بالزهد فيه ، وإنفاقه على مستحقيه . [ الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة ] وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة ، والآداب الشريفة ، وهي المسماة بحسن الخلق ، فجميعها قد كانت خلق نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم على الانتهاء في كمالها ، والإعتدال إلى غايتها ، حتى أثنى اللّه تعالى عليه بذلك فقال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 7 » قالت عائشة : كان خلقه القران ، يرضى برضاه ويسخط بسخطه « 8 » . وقال عليه الصلاة والسلام : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 9 » وقال أنس : كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقا . وكانت له هذه الآداب الكريمة كما كانت لإخوانه من الأنبياء جبلّة خلقوا عليها . ثم يتمكن الأمر لهم ، وتترادف نفحات اللّه عليهم ، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم ، حتى يصلوا الغاية ، ويبلغوا

--> ( 1 ) أي أرسلوا إليه الهدايا . ( 2 ) رواه الشيخان . ( 3 ) عند يهودي إلى سنة في ثلاثين صاعا من شعير . ( 4 ) كساء يشتمل به بأنه يديره على جسده كله . ( 5 ) جمع بردة وهو كساء أسود مربع . ( 6 ) فارسي معرب جمعه دبابيج وهو الثوب المزين والمخوصة : المنسوجة . ( 7 ) سورة القلم اية 4 . ( 8 ) عزاه السيوطي في المناهل إلى البيهقي وصدره ورواه مسلم . ( 9 ) رواه أحمد والبزار . والبخاري في الأدب المفرد والقضاعي ابن مسند الشهاب وصححه الحاكم .