الشيخ محمد الخضري بك
251
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
عظمه في القلوب . وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام « وجيها في الدّنيا والآخرة » وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد رزق الحشمة ، والمكانة في القلوب ، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها ، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه ، ويقصدون أذاه في نفسه خفية ، حتى إذا واجههم أعظموا أمره ، وقضوا حاجته . كما ذكرنا ذلك مرارا ، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته « 1 » من لم يره ، كما روي عن قيلة : إنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال : « يا مسكينة عليك السكينة » « 2 » . وفي حديث أبي مسعود : أنّ رجلا قام بين يديه ، فأرعد ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « هون عليك فإني لست بملك » « 3 » . [ قدره ومنزلته ص ] وأما عظيم قدره بالنبوة ، وشريف منزلته بالرسالة ، وأنافة رتبته « 4 » بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية ، ثم هو في الآخرة سيد ولد ادم « 5 » . وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به ، والتفاخر بسببه ، والتفضيل لأجله ، ككثرة المال . فصاحبه على الجملة معظّم عند العامة ، لاعتقادها توصّله به إلى حاجاته ، وتمكّنه في أغراضه ، وإلّا فليس فضيلة في نفسه ، فمتى كان بهذه الصورة ، وصاحبه منفقا له في مهماته ، ومهمات من قصده وأمّله ، تصريفه في مواضعه ، مشتريا به المعالي والثناء الحسن ، والمنزلة من القلوب . كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا . وإذا صرفه في وجوه البّر ، وأنفقه في سبيل الخير ، وقصد بذلك اللّه تعالى والدار الآخرة ، كان فضيلة عند الكل بكل حال ، ومتى كان صاحبه ممسكا له ، غير موجّهه وجوهه ، حريصا على جمعه ، عاد كثره كالعدم ، وكان منقصة في صاحبه ، ولم يقف به على جدد السلامة ؛ بل أوقعه في هوّة « 6 » رذيلة البخل ، ومذمّة النذلة « 7 » ، فالتمدح بالمال ليس لذاته ، بل للتوصّل به إلى غيره ، وتصريفه في متصرفاته ، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أوتي خزائن الأرض ، ومفاتيح البلاد ،
--> ( 1 ) رواه الحاكم وصححه . ( 2 ) أي يدهشه ويفزع . ( 3 ) طرف من حديث طويل حسن . أخرجه بطوله ابن منده والطبراني في الكبير وغيره . وأخرج الفقرة الأولى منه أبو داود والترمذي في الشمال ( أرعدت من الفرق ) : رحفت واضطربت من الخوف ( 4 ) أي رفعتها وظهورها . ( 5 ) كما في صحيح مسلم قوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنا سيد ولد ادم يوم القيام . ( 6 ) الهوّة : الحفرة البعيدة القعر . ( 7 ) السفالة .