الشيخ محمد الخضري بك

247

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

من خلفه كما يرى من بين يديه . وبذلك فسّر قوله تعالى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ « 1 » وقالت عائشة : كان عليه الصلاة والسلام يرى في الظلمة كما يرى في الضوء « 2 » ، وكان يعدّ في الثّريا أحد عشر نجما « 3 » . وجاءت الأخبار أنه صرع ركانة « 4 » أشدّ أهل وقته ، وكان دعاه إلى الإسلام . وقال أبو هريرة : ما رأيت أحدا أسرع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مشيه كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث « 5 » وفي صفته عليه الصلاة والسلام أن ضحكه كان تبسما ، إذا التفت التفت معا ، وإذا مشى مشى تقلّعا « 6 » كأنما ينحطّ من صبب « 7 » . [ فصاحة لسانه ص ] وأما فصاحة اللسان ، وبلاغة القول ، فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك بالمحلّ الأفضل ، والموضع الذي لا يجهل ، سلاسة طبع ، وبراعة منزع ، وإيجاز مقطع ، وفصاحة لفظ ، وجزالة قول ، وصحّة معان ، وقلّة تكلّف ، أوتي جوامع الكلم ، وخصّ ببدائع الحكم ، وعلّم ألسنة العرب ، يخاطب كل أمة منها بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، ويباريها في منزع بلاغتها ، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن ، عن شرح كلامه ، وتفسير قوله . من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحقّقه ؛ وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقيال « 8 » حضرموت ، وملوك اليمن ، وعظماء نجد ، بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته من الألفاظ ، وما انتهجته من طرق البلاغة ، ليبيّن للناس ما نزّل إليهم ، وليحدّث الناس بما يعلمون . [ كلامه وفصاحته ص ] وأما كلامه المعتاد ، وفصاحته المعلومة ، وجوامع كلمه ، وحكمه المأثورة ، فقد ألف الناس فيها الدواوين ، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ، ومنها ما لا يوازى فصاحة ولا يبارى بلاغة . كقوله : « المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم

--> ( 1 ) سورة الشعراء 219 . ( 2 ) رواه ابن عدي والبهيقي في الدلائل . وقال ليس بالقوي . ( 3 ) جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس ذكره ابن خيثمة . وقال السيوطي في المناهل ولم أجده . ( 4 ) القرشي أسلم يوم الفتح توفي بالمدينة سنة 42 ه . والحديث رواه أبو داود والترمذي والحاكم وأبو يعلى قال الترمذي حسن غريب . واسناده ليس بالقائم . ( 5 ) رواه الترمذي في شمائله والبيهقي في دلائله . غير مكترث : أي غير مبال به . ( 6 ) رفع الرجلين رفعا بائنا بدون اختيال . ( كأنما ينحط من صبب ) أي كأنه ينحدر من موضع عال ( 7 ) ما انحدر من الأرض . ( 8 ) أحد ملوك حمير دونه الملك الأعظم .