الشيخ محمد الخضري بك

18

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

معيشته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة لم يرث عليه الصلاة والسلام من والده شيئا . بل ولد يتيما عائلا « 1 » فاسترضع في بني سعد . ولما بلغ مبلغا يمكّنه أن يعمل عملا كان يرعى الغنم مع إخوته من الرضاع في البادية ، وكذلك لما رجع إلى مكة كان يرعاها لأهلها على قراريط كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه « 2 » . ووجود الأنبياء في حال التجرّد عن الدنيا ومشاغلها أمر لا بد منه ، لأنهم لو وجدوا أغنياء لألهتهم الدنيا وشغلوا بها عن السعادة الأبدية . ولذلك ترى جميع الشرائع الإلهية متفقة على استحسان الزهد فيها والتباعد عنها ، وحال الأنبياء السالفين أعظم شاهد على ذلك ، فكان عيسى عليه الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا ، وكذلك كان موسى وإبراهيم . وكانت حالتهم في صغرهم ليست سعة بل كلهم سواء ، تلك حكمة بالغة أظهرها اللّه على أنبيائه ليكونوا نموذجا لمتّبعيهم في الامتناع عن التكالب على الدنيا والتهافت عليها ، وذلك سبب البلايا والمحن . وكذلك رعاية الغنم ، فما من نبي إلا رعاها كما أخبر عن ذلك الصادق المصدوق في حديث للبخاري ، وهذه أيضا من بالغ الحكم ، فإن الإنسان إذا استرعى الغنم وهي أضعف البهائم سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا ، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان لما هذّب أولا من الحدّة الطبيعية والظلم الغريزي ، فيكون في أعدل الأحوال . ولما شبّ عليه الصلاة والسلام كان يتجر ، وكان شريكه السائب بن أبي السائب . وذهب بالتجارة لخديجة رضي اللّه عنها ، إلى الشام على جعل « 3 » يأخذه ، ولما شرّفت خديجة بزواجه ، وكانت ذات يسار عمل في مالها وكان يأكل من نتيجة عمله . وحقّق اللّه ما امتنّ عليه به في سورة الضحى بقوله جل ذكره : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى « 4 » بالإيواء والإغناء قبل النبوة والهداية بالنبوة ، هداه للكتاب والإيمان ودين إبراهيم عليه السلام ولم يكن يدري ذلك قبل . قال تعالى في سورة الشورى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا

--> ( 1 ) فقيرا لا مال له . ( 2 ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما بعث اللّه نبيا إلّا رعى الغنم . فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة وقراريط جمع قيراط وهو أحد أجزاء الدينار . ( 3 ) ما جعل للانسان من شيء على فعل يقوم به . ( 4 ) اية 6 - 8 .