الشيخ محمد الخضري بك
19
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا « 1 » . سيرته في قومه قبل البعثة كان عليه الصلاة والسلام أحسن قومه خلقا ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال ، حتى كان أفضل قومه مروءة ، وأكرمهم مخالطة ، وخيرهم جوارا ، وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، فسمّوه الأمين لما جمع اللّه فيه من الأمور الصالحة الحميدة ، والفعال السديدة من الحلم ، والصبر ، والشكر ، والعدل ، والتواضع ، والعفّة ، والجود ، والشجاعة ، والحياء . حتى شهد له بذلك ألد أعدائه النضر بن الحارث « 2 » من بني عبد الدار حيث يقول : قد كان محمد فيكم غلاما حدثا ، أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم : ساحر ! لا واللّه ما هو بساحر ، قال ذلك في معرض الاتفاق على ما يقولونه للعرب الذين يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين على قول مقبول يقولونه . ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قائلا : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا ، فقال هرقل : ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على اللّه . ورد ذلك في أول صحيح البخاري . وقد حفظه اللّه في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء شرعه الشريف بضدها « 3 » وبغّضت إليه الأوثان بغضا شديدا حتى ما كان يحضر لها احتفالا أو عيدا ممّا يقوم به عبّادها . وقال عليه الصلاة والسلام : « لما نشأت بغّضت إليّ الأوثان ، وبغّض إليّ الشعر ، ولم أهمّ بشيء ممّا كانت الجاهلية تفعله إلّا مرتين ، كل ذلك يحول اللّه بيني وبين ما أريد من ذلك . ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني اللّه برسالته . قلت ليلة لغلام كان يرعى معي : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب ، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم ، فجلست لذلك فضرب اللّه على أذنيّ فنمت فما أيقظني إلّا مسّ الشمس ولم أقض شيئا ، ثم عراني مرّة أخرى مثل ذلك » . وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل ما ذبح
--> ( 1 ) اية 52 . ( 2 ) قتل يوم بدر كافرا قتله علي بن أبي طالب . ( 3 ) الشفاء للقاضي عياض . المؤلف .