الشيخ محمد الخضري بك

138

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الذين ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في أحد يجمع الجموع لحربه ، فخرج له عليه الصلاة والسلام في جمع كثير ، وولّى على المدينة زيد بن حارثة ، وخرج معه من نسائه عائشة وأم سلمة ، وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قط في غزوة قبلها يرجون أن يصيبوا من عرض الدنيا ، وفي أثناء مسيره عليه الصلاة والسلام التقى بعين بني المصطلق ، فسأله عن أحوال العدو فلم يجب فأمر بقتله . ولما بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه ، وأنهم قتلوا جاسوسه خاف هو وجيشه خوفا شديدا حتى تفرّق عنه بعضهم ، ولما وصل المسلمون إلى المريسيع « 1 » تصافّ الفريقان للقتال ، بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا ، فتراموا بالنبل ساعة ، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد ، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالا للهرب ، بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذّرية واستاقوا الإبل والشياه ، وكانت الإبل ألفي بعير ، والشياه خمسة آلاف استعمل الرسول على ضبطها مولاه شقران « 2 » ، وعلى الأسرى بريدة « 3 » . وكان في نساء المشركين برّة بنت الحارث « 4 » سيد القوم ، وقد أخذ من قومها مئتا بنت أسرى وزّعت على المسلمين ، وهنا يظهر حسن السياسة ، ومنتهى الكرم ، فإن بني المصطلق من أعزّ العرب دارا ، فأسر نسائهم بهذه الحال صعب جدا ، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل المسلمين يمنّون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم ، فتزوّج برة بنت الحارث التي سمّاها جويرية ، فقال المسلمون : أصهار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينبغي أسرهم في أيدينا ، فمنّوا عليهم بالعتق ، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها « 5 » كما قالت عائشة رضى اللّه عنها ، وتسبّب عن هذا الكرم العظيم ،

--> ( 1 ) ماء لخزاعة على يوم من الفرع ( المؤلف ) . ( 2 ) كان شقران عبدا حبشيا لعبد الرحمن بن عوف ، فوهبه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان فيمن حضر غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند موته ، وشهد بدرا وهو عبد فلم يسهم له ، وقد نزل في قبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان شقران قد أخذ قطيفة كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يلبسها فدفنها في قبره . ويقال كانت له دار بالبصرة . ( 3 ) يكنى أبا عبد اللّه : أسلم قبل بدر ولم يشهدها ، وشهد الحديبية ، فكان ممن بايع الرضوان ، وقد تعلم شيئا من القران ، ثم قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أحد فشهد معه مشاهده ، وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة ، ثم خرج منها إلى خراسان غازيا فمات بمرو في إمرة يزيد بن معاوية . ( 4 ) زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت قبله تحت مسامع بن صفوان المصطلقي ، كان اسمها برة فغير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اسمها وسماها جويرية ، حفظت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وروت عنه ، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين من الهجرة . ( 5 ) أقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته ، فلما بلغ العقيق نظر إلى الإبل فرغب في بعيرين منها ،