الشيخ محمد الخضري بك

139

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم ، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم . وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان ، لولا أن صاحبتهما حكمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعادتا بالتفريق على المسلمين . فأولاهما أنّ أجيرا « 1 » لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج « 2 » ، فضرب الأجير الحليف حتى سال دمه ، فاستصرخ بقومه الخزرج ، واستصرخ الأجير بالمهاجرين ، فأقبل الذعر من الفريقين ، وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما بال دعوى الجاهلية ؟ - وهي ما يقال في الاستغاثة يا لفلان - فأخبر الخبر ، فقال : دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة ، ثم كلّم المضروب حتى أسقط حقّه ، وبذلك سكنت الفتنة ، فلمّا بلغ عبد اللّه بن أبي هذا الخصام غضب ، وكان عنده رهط من الخزرج فقال : ما رأيت كاليوم مذلة أو قد فعلوها ؟ نافرونا « 3 » في ديارنا ، واللّه ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول : سمّن كلبك يأكلك ، أما واللّه لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ « 4 » ثم التفت إلى من معه ، وقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم ، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضا للمنايا دون محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا ، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضّوا من عنده ، وكان في مجلسه شاب حديث السن قوي الإسلام اسمه زيد بن أرقم « 5 » ، فأخبر رسول اللّه الخبر ، فتغير وجهه . قال : يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت ، فقال : واللّه يا رسول اللّه لقد سمعته . قال لعلّه أخطأ سمعك ، فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن

--> فاخفاهما في شعب من شعاب العقيق ، ثم أتى إلى النبي وقال : يا محمد أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق ؟ فقال الحارث : أشهد ألاإله إلا اللّه وأنك رسول اللّه ، واللّه ما اطلع على ذلك إلا اللّه فأسلم وأسلم معه ابنان له ، وناس من قومه ، وأرسل إليه البعيرين . وحديث جويرية بنت الحارث في غزوة بني المصطلق رواه الشيخان وأبو داود . ( 1 ) من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود . ( 2 ) سنان بن وبر حليف بني عوف بن الخزرج . ( 3 ) أي غلبونا وكاثرونا في بلادنا ، أي وأنكروا ملّتنا . ( 4 ) سورة المنافقين اية 8 . ( 5 ) استصغر يوم أحد وأول مشاهده الخندق ، وغزا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سبع عشرة غزوة ، وله أحاديث كثيرة وشهد صفين مع علي ومات بالكوفة سنة 66 ه .