محمد الريشهري
138
نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت
ولَقد كانَ يُجاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِراءَ ، فَأراهُ ، ولا يَراهُ غَيري . ولَم يَجمَع بَيتٌ واحِدٌ يَومَئِذٍ فِي الإسلامِ غَيرَ رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله وخَديجَةَ وأنا ثالِثُهُما ، أرى نورَ الوَحيِ وَالرِّسالَةِ ، وأشَمُّ ريحَ النُّبُوَّةِ . ولَقد سَمِعتُ رَنَّةَ الشَّيطانِ حينَ نَزَلَ الوَحيُ عَلَيهِ صلى اللّه عليه وآله ، فَقُلتُ : يا رَسولَ اللّهِ ، ما هذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقالَ : هذا الشَّيطانُ قَد أيِسَ مِن عِبادَتِهِ ، إنَّكَ تَسمَعُ ما أسمَعُ وتَرى ما أرى ، إلَّا أنَّكَ لَستَ بِنَبِيٍّ ، ولكِنَّكَ لَوَزيرٌ ، وإنَّكَ لَعلى خَيرٍ . ولَقد كُنتُ مَعَهُ صلى اللّه عليه وآله لَمَّا أتاهُ المَلأُ مِن قُرَيشٍ فَقالوا لَهُ : يا مُحَمَّدُ ، إنَّكَ قَدِ ادَّعَيتَ عَظيما لَم يَدَّعِهِ آباؤكَ ولا أحَدٌ مِن بَيتِكَ ، ونحنُ نَسأ لُكَ أمرا إن أنتَ أجَبتَنا إلَيهِ وأرَيتَناهُ عَلِمنا أنَّكَ نَبِيٌّ ورسولٌ ، وإن لَم تَفعَل عَلِمنا أنَّكَ ساحِرٌ كَذَّابٌ . فَقالَ صلى اللّه عليه وآله : وما تَسألونَ ؟ قالوا : تَدعو لَنا هذهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنقَلِعَ بِعُروقِها وتَقِفَ بَينَ يَدَيكَ ، فَقالَ صلى اللّه عليه وآله : إنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ ، فَإن فَعَلَ اللّهُ لَكُم ذلِكَ أتُؤمنونَ وتَشهَدونَ بِالحَقِّ ؟ قالوا : نَعَم . قالَ : فَإنِّي سَأُريكُم ما تَطلُبونَ ، وإنِّي لَأعلَمُ أنَّكُم لا تَفيؤونَ إلى خَيرٍ ، وإنَّ فيكُم مَن يُطرَحُ فِي القَليبِ ، ومَن يُحَزِّبُ الأحزابَ . ثُمَّ قالَ صلى اللّه عليه وآله : يا أيَّتُها الشَّجَرَةُ إن كُنتِ تُؤمنينَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ، وتَعلَمينَ أنِّي رَسولُ اللّهِ ، فَانقَلِعي بِعُروقِكِ حَتَّى تَقِفي بَينَ يَدَيَّ بِإذنِ اللّهِ . فَوَالَّذي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَانقَلَعَت بِعُروقِها ، وجاءَت ولَها دَوِيٌّ شَديدٌ ، وقَصفٌ كَقَصفِ أجنِحَةِ الطَّيرِ ، حَتَّى وَقَفَت بَينَ يَدَي رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله مُرَفرِفَةً ، وألقَت بِغُصنِها الأعلى عَلى رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله ، وبِبَعضِ أغصانِها عَلى مَنكِبي ، وكنتُ عَن يَمينِهِ صلى اللّه عليه وآله . فَلَمَّا نَظَرَ القَومُ إلى ذلِكَ قالوا عُلُوَّا وَاستِكبارا : فَمُرها فَليَأتِكَ نِصفُها ويَبقى نِصفُها ، فَأمَرَها بِذلِكَ ، فَأقبَلَ إلَيهِ نِصفُها كَأعجَبِ إقبالٍ وأشَدِّهِ دَوِيَّا ، فَكادَت تَلتَفُّ بِرَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله ، فَقالوا كُفرا وعُتُوَّا : فَمُر هذا النِّصفَ فَليَرجِع إلى نِصفِهِ كَما كانَ ، فَأمرَهُ صلى اللّه عليه وآله فَرَجَعَ ،