العلامة الأميني

607

النبي الأعظم من كتاب الغدير

الجواب : إنّ المتيقّن من معقد الإجماع المذكور هو نزول مجموع السورة مكيّا ، لا جميع آياتها ؛ فيمكن أن يكون خصوص هذه الآية مدنيّا كما في كثير من السور . الوجه الثالث : أنّها نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكّة ، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بينهم ؛ لقوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ « 1 » . الجواب : لا ملازمة بين عدم نزول العذاب في مكّة على المشركين ، وبين عدم نزوله هاهنا على الرجل ؛ فإنّ أفعال المولى سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحكمة ؛ فكان في سابق علمه إسلام جماعة من أولئك بعد حين ، أو وجود مسلمين في أصلابهم ، فلو أبادهم بالعذاب النازل لاهملت الغاية المتوخّاة من بعث الرسول صلّى اللّه عليه وآله . ولمّا لم ير سبحانه ذلك الوجه في هذا المنتكس على عقبه عن دين الهدى بقيله ذلك ، ولم يكن ليلد مؤمنا - كما عرف ذلك نوح عليه السّلام من قومه ؛ فقال : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً « 2 » - قطع جرثومة فساده بما تمنّاه من العذاب الواقع . ووجود الرسول صلّى اللّه عليه وآله رحمة تدرأ العذاب عن الأمّة ، إلّا أنّ تمام الرحمة أن يكون فيها مكتسح للعراقيل أمام السير في لا حب الطريق المهيع ؛ ولذلك قمّ سبحانه ذلك الجذم « 3 » الخبيث ، للخلاف عمّا أبرمه النبيّ الأعظم في أمر الخلافة ، كما أنّه في حروبه ومغازيه كان يجتاح أصول الغيّ بسيفه الصارم ، وكان يدعو على من شاهد عتوّه ، ويئس من إيمانه ، فتجاب دعوته :

--> ( 1 ) - الأنفال : 33 . [ ويمكن القول إنّ الآية في عصاة المسلمين ، وأمّا من ارتدّ عن الإسلام وكذّب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وطلب العذاب من اللّه تحدّيا واستخفافا فعلى اللّه أن يعجّل عليه نقمته ] . ( 2 ) - نوح : 27 . ( 3 ) - [ « جذم الشيء » : أصله ] .