العلامة الأميني

359

النبي الأعظم من كتاب الغدير

فقال معاوية : كيف أصنع بك ؟ ! قد قطعنا أصحابك . فقالت امّ السارق : يا أمير المؤمنين ! اجعلها في ذنوبك الّتي تتوب منها ؛ فخلّى سبيله ؛ فكان أوّل حد ترك في الإسلام » « 1 » . قال الأميني : أفهل عرف معاوية من هذا اللصّ خصوصيّة استثنته من حكم الكتاب النهائيّ العامّ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما « 2 » ؟ ! أم أنّ الرأفة بامّه تركت حدّا من حدود اللّه لم يقم ، وفي الذكر الحكيم : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ « 3 » . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ « 4 » . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها « 5 » . أم أنّه كان لمعاوية مؤمّن من العقاب غدا وإن تعمّد اليوم إلغاء حدّ من حدود اللّه ؟ ! وهل نيّة التوبة عن المعصية تبيح اجتراح تلك السيّئة ؟ ! إنّ هذا لشيء عجاب . ومن ذا الّذي طمّنه بأنّه سيوفّق للتوبة عنها ولا يحول بينه وبينها ذنوب تسلبه التوفيق ، أو عظائم تسلبه الإيمان ، أو استخفاف بالشريعة ينتهي به إلى نار الخلود ؟ ! ويظهر منه : أنّ التعمّد لاقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطّردا عند معاوية . وهذا ممّا يخلّ بأنظمة الشريعة ، ونواميس الدين ، وطقوس الإسلام ؛ فإنّ النفوس الشريرة إنّما تترك أكثر المعاصي خوفا من العقوبة الفعليّة ؛ فإن زحزحت عنها بأمثال هذه التافهات لم يبق محظور يفسد النفوس ، ويقلق السلام ، ويعكّر صفو الإسلام إلّا وقد عمل به ، وهذا نقض لغاية التشريع ، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على اللّه ورسوله .

--> ( 1 ) - الأحكام السلطانيّة : 219 [ 2 / 228 ] ؛ تاريخ ابن كثير 8 : 136 [ 8 / 145 ، حوادث سنة 60 ه ] ؛ محاضرة السكتواري : 164 . ( 2 ) - المائدة : 38 . ( 3 ) - الطلاق : 1 . ( 4 ) - البقرة : 229 . ( 5 ) - النساء : 14 .