العلامة الأميني

310

النبي الأعظم من كتاب الغدير

كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكّة « 1 » . فلماذا يحرم هذا البدريّ العظيم عطاءه سنين ؟ ! ثمّ يأتيه من سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مندم متظاهرا بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره ، ويسأل ربّه أن يأخذ له منه بحقّه ، ثمّ يتوجّه إلى النعيم الخالد معرضا عن الحطام الزائل ، موصيا بأن لا يصلّي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع . لماذا فعل به هذا ؟ ! ولماذا شتم على رؤوس الأشهاد ؟ ! ولماذا أخرج من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مهانا عنفا ؟ ! ولماذا ضرب به الأرض فدقّت أضالعه ؟ ! ولما بطشوا به بطش الجبّارين ؟ ! كلّ ذلك لأنّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال الكوفة يوم كان عليه ما أمر به ، فألق مفاتيح بيت المال لمّا لم يجد من الكتاب والسنّة وهو العليم بهما مساغا لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها . ولابن مسعود عند القوم مظلمة أخرى ؛ وهي جلده أربعين سوطا في موقف آخر . لماذا كان ذلك ؟ لأنّه دفن أبا ذر لمّا حضر موته في حجّته . وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميّتا كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان . وجد صحابيّا عظيما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقرّبه ويدنيه قد فارق الدنيا . وجد عالما من علماء المسلمين قد غادرته الحياة . وجد مثالا للقداسة والتقوى ، فتمثّل أمام عينيه تلك الصورة المكبّرة الّتي كان يشاهدها على العهد النبويّ . وجد شبيه عيسى بن مريم في الأمّة المرحومة هديا وسمتا ونسكا وزهدا وخلقا ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام .

--> ( 1 ) - أنظر سيرة ابن هشام 1 : 337 [ 1 / 336 ] .