العلامة الأميني
108
النبي الأعظم من كتاب الغدير
ألا من يسائله عن أنّ الأمّة إذا كانت معصومة حافظة لكلّيات الدين وجزئيّاته أصلا وفرعا ، ومبلّغة جميع ذلك كافّة عن كافّة وعصرا بعد عصر ، ولم يوجد هناك شيء منسيّ أو مغفول عنه ، فما معنى أعلميّتها من جميع الأئمّة ؟ ! وأقربيّة اهتدائها من اهتدائهم ؟ ! أيراهم خارجين عن الأمّة غير حافظين ولا مهتدين ، في جانب عن الدين الّذي حفظته الأمّة ، لا تشملهم عصمتها ولا حفظها ولا اهتداؤها ولا تبليغها ؟ ! وعلى ما يهمّ الرجل يجب ألايوجد في الأمّة جاهل ، ولا يقع بينها خلاف في أمر دينيّ أو حكم شرعيّ ، وهؤلاء جهلاء الأمّة الّذين سدّوا كلّ فراغ بين المشرق والمغرب ، وتشهد عليهم أعمالهم وأقوالهم بأنّهم جاهلون - وفي مقدّمهم هو نفسه - وما شجر بين الأمّة من الخلاف منذ عهد الصحابة وإلى يومنا الحاضر ممّا لا يكاد يخفى على عاقل . وهل يتصوّر الخلاف إلّا بجهل أحد الفريقين بالحقيقة الناصعة ؟ ! لأنّها وحدانيّة لا تقبل التجزئة . أيرى من الدين الّذي حفظته الأمّة وبلّغته جهل عليّ وأولاده من بينهم بالقرآن والسنن ؟ ! أم يراهم أنّهم ليسوا من الأمّة ؟ ! فيقول : « إنّ علم الأمّة بالقرآن وسنن النبيّ اليوم أكثر وأكمل من علم عليّ ومن علوم كلّ أولاد عليّ » . ومتى أحاط هو بعلم عليّ وأولاده عليهما السّلام وبعلم الأمّة جمعاء ، حتّى يسعه هذا التحكّم الباتّ والفتوى المجرّدة ؟ ! ولعلّي يسعني أن أقول : بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان أبصر وأعرف بأمّته من صاحب هذه الفتاوى المجرّدة ، وأعلم بمقادير علومهم وبصائرهم ؛ فهو بعد ذلك كلّه خلّف لهداية أمّته من بعده الثقلين : كتاب اللّه وعترته - ويريد الأئمّة منهم - وقال : « ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » ؛ فحصر الهداية بالتمسّك بهما واقتصاص آثارهما إلى غاية الأمد يفيدنا أنّ عندهما من العلوم والمعارف ما تقصر عنها الأمّة ، وأنّه ليس في حيّز الإمكان أن تبلغ الأمّة - وهي غير معصومة من الخطأ ولم تكشف لها حجب الغيب - مبلغا يستغنى به عمّن يرشدها في مواقف الحيرة .