صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4998

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

قادما - وكان إذا قدم من سفر ، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين - ثمّ جلس للنّاس ، فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له - وكانوا بضعة وثمانين رجلا - فقبل منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علانيتهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ، حتّى جئت ، فلمّا سلّمت تبسّم تبسّم المغضب ، ثمّ قال : « تعال » . فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه . فقال لي : « ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ » . قال قلت : يا رسول اللّه إنّي - واللّه - لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا . ولكنّي واللّه لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ اللّه أن يسخطك عليّ ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه « 1 » إنّي لأرجو فيه عقبى اللّه ، واللّه ما كان لي عذر ، واللّه ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمّا هذا فقد صدق . فقم حتّى يقضي اللّه فيك » . فقمت ، وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني ، فقالوا لي : واللّه ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا . لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما اعتذر به إليه المخلّفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك . قال : فو اللّه ما زالوا يؤنّبونني حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأكذّب نفسي . قال : ثمّ قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحد ؟ . قالوا : نعم ، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك . قال قلت : من هما ؟ . قالوا : مرارة بن ربيعة العامريّ ، وهلال بن أميّة الواقفيّ . قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي . قال : ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا ، أيّها الثّلاثة ، من بين من تخلّف عنه . قال : فاجتنبنا النّاس . وقال : تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض الّتي أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأمّا صاحباي ، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم . فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد . وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلّم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصّلاة . فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا ؟ . ثمّ أصلّي قريبا منه وأسارقه النّظر . فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي . حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين ، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمّي ، وأحبّ النّاس إليّ . فسلّمت عليه . فو اللّه ما ردّ عليّ السّلام . فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك باللّه هل تعلمنّ أنّي أحبّ اللّه ورسوله ؟ . قال : فسكت . فعدت فناشدته ، فسكت ، فعدت فناشدته فقال : اللّه ورسوله أعلم . ففاضت

--> ( 1 ) أي يغضبك ولا ترضى به .