صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4999
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
عيناي ، وتولّيت حتّى تسوّرت الجدار . فبينا أنا أمشي في سوق المدينة ، إذا نبطيّ من نبط أهل الشّام ، ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة . يقول : من يدلّ على كعب بن مالك ؟ قال : فطفق النّاس يشيرون له إليّ حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان - وكنت كاتبا - فقرأته فإذا فيه : أمّا بعد . فإنّه قد بلغنا أنّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة . فالحق بنا نواسك « 1 » . قال : فقلت حين قرأتها : وهذا أيضا من البلاء . فتياممت « 2 » بها التّنّور فسجرتها بها . حتّى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبث الوحي « 3 » إذا رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأتيني فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك . قال : فقلت : أطلّقها أم ماذا أفعل ؟ . قال : لا . بل اعتزلها . فلا تقربنّها . قال فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك . قال : فقلت لا مرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتّى يقضي اللّه في هذا الأمر . قال : فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت له : يا رسول اللّه إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ . قال : « لا . ولكن لا يقربنّك » . فقالت : إنّه واللّه ما به حركة إلى شيء ، وو اللّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في امرأتك ؟ . فقد أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه . قال : فقلت : لا أستأذن فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وما يدريني ماذا يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذا استأذنته فيها ، وأنا رجل شابّ ؟ قال : فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا . قال : ثمّ صلّيت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا . فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر اللّه عزّ وجلّ منّا . قد ضاقت علّي نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع « 4 » يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء فرج . قال : فآذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّاس بتوبة اللّه علينا حين صلّى صلاة الفجر . فذهب النّاس يبشّروننا ، فذهب قبل صاحبيّ مبشّرون ، وركض رجل إليّ فرسا ، وسعى ساع من أسلم قبلي « 5 » ، وأوفى الجبل « 6 » فكان الصّوت أسرع من الفرس . فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني ، فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشارته . واللّه ما أملك غيرهما يومئذ . واستعرت ثوبين فلبستهما . فانطلقت أتأمّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتلقّاني النّاس فوجا فوجا يهنّئوني بالتّوبة ، ويقولون : لتهنك توبة اللّه عليك حتّى دخلت المسجد . فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس في
--> ( 1 ) الحق بنا . . إلخ : معناه : أقدم إلينا نشاركك فيما عندنا . ( 2 ) تياممت . . إلخ : قصبدت بها التنور فأحرقتها . ( 3 ) استلبث : أبطأ وتأخر . ( 4 ) أوفى على سلع : أي صعده وارتفع عليه . وسلع جبل بالمدينة معروف . ( 5 ) سعى ساع من أسلم : أي سعى رجل من قبيلة أسلم متجها نحوي . ( 6 ) وأوفى الجبل : وصل إليه وصعد عليه .