صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4997

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

- وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في النّاس منها « 1 » - وكان من خبري حين تخلّفت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك ، أنّي لم أكن قطّ أقوى ، ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة . واللّه ما جمعت قبلها راحلتين قطّ حتّى جمعتهما في تلك الغزوة . فغزاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حرّ شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا « 2 » ، واستقبل عدوّا كثيرا . فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم . فأخبرهم بوجههم الّذي يريد ، والمسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كثير . ولا يجمعهم كتاب حافظ ( يريد بذلك الدّيوان ) . قال كعب : فقلّ رجل يريد أن يتغيّب يظنّ أنّ ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من اللّه عزّ وجلّ ، وغزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الغزوة حين طابت الثّمار والظّلال . فأنا إليها أصعر « 3 » فتجهّز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم فأرجع ولم أقض شيئا ، وأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ بالنّاس الجدّ . فأصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ، ثمّ غدوت فرجعت ولم أقض شيئا . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو « 4 » . فهممت أن أرتحل فأدركهم ، فياليتني فعلت ، ثمّ لم يقدّر ذلك لي . فطفقت إذا خرجت في النّاس بعد خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة . إلّا رجلا مغموصا عليه في النفاق « 5 » ، أو رجلا ممّن عذر اللّه من الضّعفاء ، ولم يذكرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى بلغ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك : « ما فعل كعب بن مالك ؟ » . قال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه حبسه برداه والنّظر في عطفيه « 6 » فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلّا خيرا . فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيّضا يزول به السّراب « 7 » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كن أبا خيثمة » . فإذا هو أبو خيثمة الأنصاريّ - وهو الّذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه المنافقون - فقال كعب بن مالك : فلمّا بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجّه قافلا « 8 » من تبوك حضرني بثّي « 9 » فطفقت أتذكّر الكذب وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ ، وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي . فلمّا قيل لي : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أظلّ قادما زاح عنّي الباطل حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا . فأجمعت صدقه ، وصبّح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) أذكر منها : أي أكثر شهرة وذكرا منها . ( 2 ) ومفازا : أي برية طويلة قليلة الماء ، يخاف فيها الهلاك . ( 3 ) أصعر : أميل . من صعر كفرح : مال . ( 4 ) تفارط الغزو : أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا . ( 5 ) مغموصا عليه في النفاق : أي متهما به . ( 6 ) النظر في عطفيه : أي جانبيه . وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه . ( 7 ) أي لابسا البياض من الثياب ، يزول به السراب . والسراب ما يظهر في الخلاء كأنه ماء والمقصود يتحرك وينهض . ( 8 ) توجه قافلا : أي راجعا . ( 9 ) البث : أشد الحزن .