صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4761

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وأحبّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( يريد عائشة ) . وكنّا تحدّثنا أنّ غسّان تنعل النّعال لغزونا « 1 » ، فنزل صاحبي يوم نوبته ، فرجع عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال : أثمّ هو ؟ ففزعت فخرجت إليه ، وقال : حدث أمر عظيم ، قلت : ما هو ؟ أجاءت غسّان ؟ قال : لا ، بل أعظم منه وأطول ، طلّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه : قال : قد خابت حفصة وخسرت . كنت أظنّ هذا يوشك أن يكون فجمعت عليّ ثيابي ، فصلّيت صلاة الفجر مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل مشربة له فاعتزل فيها . فدخلت على حفصة ، فإذا هي تبكي . قلت : ما يبكيك ، أو لم أكن حذّرتك ؟ أطلّقكنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قالت : لا أدري ، هو ذا في المشربة . فخرجت فجئت المنبر ، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم . فجلست معهم قليلا ثمّ غلبني ما أجد فجئت المشربة الّتي هو فيها ، فقلت لغلام له أسود : استأذن لعمر . فدخل فكلّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ خرج فقال : ذكرتك له فصمت . فانصرفت حتّى جلست مع الرّهط الّذين عند المنبر . ثمّ غلبني ما أجد ، فجئت - فذكر مثله - فجلست مع الرّهط الّذين عند المنبر . ثمّ غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت : استأذن لعمر . فذكر مثله - فلمّا ولّيت منصرفا فإذا الغلام يدعوني قال : أذن لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فدخلت عليه ، فإذا هو مضطجع على رمال حصير ، ليس بينه وبينه فراش ، قد أثّر الرّمال بجنبه ، متّكئ على وسادة من أدم حشوها ليف . فسلّمت عليه ، ثمّ قلت وأنا قائم : طلّقت نساءك ؟ فرفع بصره إليّ فقال : « لا » ثمّ قلت وأنا قائم أستأنس : يا رسول اللّه ، لو رأيتني وكنّا معشر قريش نغلب النّساء ، فلمّا قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم . فذكره . فتبسّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . ثمّ قلت : لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت : لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحبّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ( يريد عائشة ) ، فتبسّم أخرى . فجلست حين رأيته تبسّم . ثمّ رفعت بصري في بيته ، فو اللّه ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر غير أهبة « 2 » ثلاثة ، فقلت : ادع اللّه فليوسّع على أمّتك ، فإنّ فارس والرّوم وسّع عليهم وأعطوا الدّنيا وهم لا يعبدون اللّه . وكان متّكئا فقال : « أو في شكّ أنت يا بن الخطّاب ؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا » فقلت : يا رسول اللّه استغفر لي . فاعتزل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة ، وكان قد قال : ما أنا بداخل عليهنّ شهرا ، من شدّة موجدته عليهنّ حين عاتبه اللّه . فلمّا مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها ، فقالت له عائشة : إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، وإنّا أصبحنا بتسع وعشرين ليلة أعدّها عدّا ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : الشّهر تسع وعشرون ، وكان ذلك الشّهر تسعا وعشرين . قالت عائشة : فأنزلت آية التّخيير ، فبدأ بي أوّل امرأة فقال : « إنّي ذاكر لك أمرا ، ولا عليك أن لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك » قالت : قد أعلم أنّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقك . ثمّ قال : « إنّ اللّه قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إلى قوله : عَظِيماً ( الأحزاب / 28 - 29 ) قلت : أفي هذا

--> ( 1 ) تنعل النعال : أي تضربها وتسويها ، والأصل تنعل الدواب . ( 2 ) أهبة : أكياس من جلد غير مدبوغ .