صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4663

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب . وهم يحسبون أنّي فيه . قالت : وكانت النّساء إذ ذاك خفافا . لم يهبّلن « 1 » ولم يغشهنّ اللّحم . إنّما يأكلن العلقة « 2 » من الطعام . فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه . وكنت جارية حديثة السنّ . فبعثوا الجمل وساروا . ووجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش . فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب . فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه . وظننت أنّ القوم سيفقدوني فيرجعون إليّ . فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطّل السلميّ ، ثمّ الذكوانيّ ، قد عرّس « 3 » من وراء الجيش فأدلج « 4 » . فأصبح عند منزلي . فرأى سواد إنسان نائم . فأتاني فعرفني حين رآني . وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ . فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني . فخمّرت وجهي بجلبابي . وو اللّه ما يكلّمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه . حتّى أناخ راحلته . فوطأ على يدها فركبتها . فانطلق يقود بي الراحلة . حتّى أتينا الجيش . بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة « 5 » . فهلك من هلك في شأني . وكان الذي تولّى كبره عبد اللّه بن أبيّ بن سلول . فقدمنا المدينة . فاشتكيت ، حين قدمنا المدينة شهرا . والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك . ولا أشعر بشيء من ذلك . وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي . إنّما يدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيسلّم ثمّ يقول : « كيف تيكم « 6 » ؟ » فذاك يريبني . ولا أشعر بالشرّ . حتّى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع « 7 » . وهو متبرّزنا . ولا نخرج إلّا ليلا إلى ليل . وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا . وأمرنا أمر العرب الأول في التنزّه . وكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا . فانطلقت أنا وأمّ مسطح ، وهي بنت أبي رهم بن المطّلب بن عبد مناف . وأمّها ابنة صخر بن عامر ، خالة أبي بكر الصدّيق . وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب . فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي . حين فرغنا من شأننا . فعثرت أمّ مسطح في مرطها « 8 » . فقالت : تعس مسطح . فقلت لها : بئس ما قلت . أتسبّين رجلا قد شهد بدرا . قالت : أي هنتاه « 9 » ، أولم تسمعي ما قال ؟ قلت : وماذا قال ؟ قالت ، فأخبرتني بقول أهل الإفك . فازددت مرضا إلى مرضي . فلمّا رجعت إلى بيتي ، فدخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فسلّم ثمّ قال : « كيف تيكم ؟ » قلت : أتأذن لي أن آتي أبويّ ؟ قالت : وأنا حينئذ أريد أن أتيقّن الخبر من قبلهما . فأذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فجئت أبويّ فقلت لأمّي : يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس ؟ فقالت : يا

--> ( 1 ) لم يهبلن : يقال هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه . ( 2 ) العلقة : أي القليل ، ويقال لها أيضا : البلغة . ( 3 ) قد عرس : التعريس النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة . ( 4 ) فأدلج : الإدلاج هو السير آخر الليل . ( 5 ) موغرين في نحر الظهيرة : الموغر النازل في وقت الوغرة وهي شدة الحر . ونحر الظهيرة وقت القائلة وشدة الحر . ( 6 ) كيف تيكم : هي إشارة إلى المؤنثة ، يقابلها كذلكم في المذكر . ( 7 ) المناصع : هي مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها . ( 8 ) في مرطها : المرط الكساء من صوف وقد يكون من غيره . ( 9 ) أي هنتاه : بضم الهاء الأخيرة وقد تسكن ، لفظة تختص بالنداء ومعناها : يا هذا ، وقيل : يا امرأة ، وقيل : يابلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس .