صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4664
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
بنيّة ، هوّني عليك . فو اللّه لقلمّا كانت امرأة قطّ وضيئة « 1 » عند رجل يحبّها ، ولها ضرائر ، إلّا كثّرن عليها . قالت : قلت : سبحان اللّه ! وقد تحدّث النّاس بهذا ؟ قالت فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ « 2 » لي دمع ، ولا أكتحل بنوم « 3 » . ثمّ أصبحت أبكي . ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث الوحي « 4 » . يستشيرهما في فراق أهله . قالت : فأمّا أسامة بن زيد فأشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالّذي يعلم من براءة أهله ، وبالّذي يعلم في نفسه لهم من الودّ . فقال : يا رسول اللّه ، هم أهلك ، ولا نعلم إلّا خيرا . وأمّا عليّ بن أبي طالب فقال : لم يضيّق اللّه عليك والنّساء سواها كثير . وإن تسأل الجارية تصدقك . قالت : فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريرة فقال : « أي بريرة ، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟ » قالت له بريرة : والذي بعثك بالحقّ إن رأيت عليها أمرا قطّ أغمصه « 5 » عليها ، أكثر من أنّها جارية حديثة السنّ ، تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن « 6 » فتأكله . قالت : فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر . فاستعذر « 7 » من عبد اللّه بن أبيّ بن سلول . قالت : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على المنبر « يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي . فو اللّه ما علمت على أهلي إلّا خيرا . ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا . وما كان يدخل على أهلي إلّا معي » فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال : أنا أعذرك منه . يا رسول اللّه إن كان من الأوس ضربنا عنقه . وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن عبادة ، وهو سيّد الخزرج ، وكان رجلا صالحا . ولكن اجتهلته الحميّة « 8 » . فقال لسعد بن معاذ : كذبت . لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقال لسعد بن عبادة : كذبت . لعمر اللّه لنقتلنّه . فإنّك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيّان الأوس والخزرج « 9 » حتّى همّوا أن يقتتلوا . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائم على المنبر . فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت . قالت : وبكيت يومي ذلك . لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . ثمّ بكيت ليلتي المقبلة . لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار ، فأذنت لها . فجلست تبكي . قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فسلّم ثمّ جلس . قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل . وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء . قالت : فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين جلس ثمّ قال : « أمّا
--> ( 1 ) وضيئة : هي الجميلة الحسنة . والوضاءة الحسن . ( 2 ) لا يرقأ : أي لا ينقطع . ( 3 ) ولا أكتحل بنوم : أي لا أنام . ( 4 ) استلبث الوحي : أي أبطا ولبث ولم ينزل . ( 5 ) أغمصه : أي أعيبها به . ( 6 ) الداجن : الشاة التي تألف البيت ولا تخرج للمرعى . ومعنى هذا الكلام أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلا ولا فيها شيء من غيره ، إلا نومها عن العجين . ( 7 ) استعذر : معناه : من يعذرني فيمن آذاني في أهلي ، وقيل معناه من ينصرني . والعذير الناصر . ( 8 ) اجتهلته الحمية : أي خفته وأغضبته وحملته على الجهل ( 9 ) فثار الحيان الأوس والخزرج : أي تناهضوا للنزاع والعصبية .