صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4152
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
غيرك من أهل الدّنيا ، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا « 1 » . ولكنّي - واللّه - لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ « 2 » اللّه أن يسخطك عليّ . ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه « 3 » إنّي لأرجو فيه عقبى اللّه « 4 » واللّه ما كان لي عذر ، . واللّه ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أمّا هذا - فقد صدق ، فقم حتّى يقضي اللّه فيك » فقمت ، وثار رجا من بني سلمة فاتّبعوني فقالوا لي : واللّه ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما اعتذر به إليه المخلّفون . فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك . قال : فو اللّه ما زالوا يؤنّبونني « 5 » حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأكذّب نفسي . قال : ثمّ قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحد ؟ قالوا : نعم . لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت . فقيل لهما مثل ما قيل لك . قال : قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن ربيعة العامريّ « 6 » ، وهلال بن أميّة الواقفيّ . قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي . قال : ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة « 7 » من بين من تخلّف عنه . قال : فاجتنبنا النّاس ، وقال : تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض الّتي أعرف « 8 » . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأمّا صاحباي فاستكانا « 9 » وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم « 10 » . فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد . وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلّم عليه - وهو في مجلسه بعد الصّلاة - فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا ؟ ثمّ أصلّى قريبا منه وأسارقه النّظر . فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي . حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتّى تسوّرت « 11 » جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمّي وأحبّ النّاس إليّ - فسلّمت عليه ، فو اللّه
--> ( 1 ) أعطيت جدلا : أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة ، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي ، إذا أردت . ( 2 ) ليوشكن : أي ليسرعن . ( 3 ) تجد عليّ فيه : أي تغضب . ( 4 ) إني لأرجو فيه عقبى اللّه : أي أن يعقبني خيرا ، وأن يثيبني عليه . ( 5 ) يؤنبونني : أي يلومونني أشد اللوم . ( 6 ) العامري : هكذا : العامري . وأنكره العلماء وقالوا : هو غلط إنما صوابه العمري . من بني عمرو بن عوف . وكذا ذكره البخاري . وكذا نسبه محمد بن إسحاق وابن عبد البر ، وغيرهما من الأئمة . قيل : وهو الصواب . ( 7 ) أيها الثلاثة : قال القاضي : هو بالرفع ، وموضعه نصب على الاختصاص . قال سيبويه ، نقلا عن العرب : اللهم اغفر لنا ، أيتها العصابة ، وهذا مثله . ( 8 ) فما هي بالأرض التي أعرف : معناه : تغير علي كل شيء . حتى الأرض ، فإنها توحشت علي وصارت كأنها أرض لم أعرفها ، بتوحشها علي . ( 9 ) فاستكانا : أي خضعا . ( 10 ) أشب القوم وأجلدهم : أي أصغرهم سنا وأقواهم . ( 11 ) حتى تسورت : معنى تسورته علوته وصعدت سوره ، وهو أعلاه .