صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4153
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ماردّ عليّ السّلام . فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك باللّه « 1 » هل تعلمنّ أنّي أحبّ اللّه ورسوله ؟ قال : فسكت . فعدت فناشدته فسكت . فعدت فناشدته فقال : اللّه ورسوله أعلم . ففاضت عيناي ، وتولّيت ، حتّى تسوّرت الجدار . فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيّ من نبط أهل الشّام « 2 » ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك ؟ قال : فطفق النّاس يشيرون له إليّ حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان - وكنت كاتبا - فقرأته فإذا فيه : أمّا بعد . فإنّه قد بلغنا أنّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة « 3 » . فالحق بنا نواسك « 4 » . قال : فقلت حين قرأتها : وهذا أيضا من البلاء فتياممت « 5 » بها التّنّور فسجرتها « 6 » بها . حتّى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبث الوحي « 7 » ، إذا رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأتيني فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك . قال فقلت : أطلّقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا . بل اعتزلها فلا تقربنّها . قال : فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك . قال : فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتّى يقضي اللّه في هذا الأمر . قال فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت له : يا رسول اللّه إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : « لا . ولكن لا يقربنّك » فقالت : إنّه - واللّه - ما به حركة إلى شيء . وو اللّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في امرأتك ؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه . قال : فقلت : لا أستأذن فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وما يدريني ماذا يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شابّ . قال : فلبثت بذلك عشر ليال . فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا . قال : ثمّ صلّيت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة ، على ظهر بيت من بيوتنا . فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر اللّه عزّ وجلّ - منّا . قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت « 8 » ، سمعت صوت صارخ أو في علي سلع « 9 » يقول ، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء فرج . قال :
--> ( 1 ) أنشدك باللّه : أي أسألك باللّه ، وأصله من النشيد ، وهو الصوت . ( 2 ) نبطي من نبط أهل الشام : يقال : النبط والأنباط والنبيط ، وهو فلاحو العجم . ( 3 ) مضيعة : فيها لغتان : إحداهما مضيعة ، والثانية مضيعة . أي موضع وحال يضيع فيه حقك . ( 4 ) نواسك : وفي بعض النسخ : نواسيك ، بزيادة ياء . وهو صحيح ، أي ونحن نواسيك ، وقطعه عن جواب الأمر . ومعناه نشاركك فيما عندنا . ( 5 ) فتياممت : وهي لغة في تيممت . ومعناها قصدت . ( 6 ) فسجرتها : أي أحرقتها . وأنث الضمير لأنه أراد معنى الكتاب ، وهو الصحيفة . ( 7 ) واستلبث الوحي : أي أبطأ . ( 8 ) وضاقت علي الأرض بما رحبت : أي بما اتسعت . ومعناه : ضاقت علي الأرض مع أنها متسعة . والرحب السعة . ( 9 ) أوفى على سلع : أي صعده وارتفع عليه . وسلع جبل بالمدينة معروف .