صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4151
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو « 1 » . فهممت أن أرتحل فأدركهم فياليتني فعلت . ثمّ لم يقدّر ذلك لي . فطفقت إذا خرجت في النّاس بعد خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة ، إلّا رجلا مغموصا عليه في النّفاق « 2 » ، أو رجلا ممّن عذر اللّه من الضّعفاء . ولم يذكرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى بلغ تبوكا « 3 » فقال ، وهو جالس في القوم بتبوك « ما فعل كعب بن مالك ؟ » قال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه حبسه برداه والنّظر في عطفيه « 4 » . فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلّا خيرا . فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيّضا « 5 » يزول به السّراب « 6 » فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كن أبا خيثمة » فإذا هو أبو خيثمة « 7 » الأنصاريّ - وهو الّذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه المنافقون « 8 » - فقال كعب بن مالك : فلمّا بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجّه قافلا « 9 » من تبوك ، حضرني بثّي « 10 » ، فطفقت أتذكّر الكذب وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي . فلمّا قيل لي : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أظلّ « 11 » قادما ، زاح « 12 » عنّي الباطل حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا . فأجمعت صدقه « 13 » . وصبّح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قادما . وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثمّ جلس للنّاس . فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون . فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له . وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علانيتهم . وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه . حتّى جئت فلمّا سلّمت تبسّم تبسّم المغضب ثمّ قال : « تعال » فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه فقال لي : « ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ « 14 » » قال : قلت : يا رسول اللّه إنّي - واللّه - لو جلست عند
--> ( 1 ) وتفارط الغزو : أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا . ( 2 ) مغموصا عليه في النفاق : أي متهما به . ( 3 ) حتى بلغ تبوكا : هو في أكثر النسخ : تبوكا ، بالنصب . وكذا هو في نسخ البخاري . وإنه صرفها لإرادة الموقع ، دون البقعة . ( 4 ) والنظر في عطفيه : أي جانبيه . وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه . ( 5 ) مبيضا : هو لابس البياض . ويقال : هم المبيّضة والمسوّدة ، أي لا بسو البياض والسواد . ( 6 ) يزول به السراب : أي يتحرك وينهض . والسراب هو ما يظهر للإنسان في الهواجر ، في البراري ، كأنه ماء . ( 7 ) كن أبا خيثمة : قيل : معناه أنت أبو خيثمة . قال ثعلب : العرب تقول : كن زيدا ، أي أنت زيد . قال القاضي عياض : والأشبه عندي أن كن هنا للتحقق والوجود . أي لتوجد ، يا هذا الشخص ، أبا خيثمة حقيقة . وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب . وهو معنى قول صاحب التحرير : وتقديره اللهم اجعله أبا خيثمة . ( 8 ) لمزه المنافقون : أي عابوه واحتقروه . ( 9 ) توجه قافلا : أي راجعا . ( 10 ) حضرني بثي : هو أشد الحزن . ( 11 ) أظل قادما : أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى علي ظله . ( 12 ) زاح : أي زال ( 13 ) فأجمعت صدقه : أي عزمت عليه . يقال : أجمع أمره وعلى أمره ، وعزم عليه ، بمعنى . ( 14 ) ابتعت ظهرك : أي اشتريت ما تركبه للجهاد .