صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3661
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
دينك إلّا رددته إلينا . قال المسلمون : سبحان اللّه ، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده « 1 » ، وقد خرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّا لم نقض الكتاب بعد » . قال : فو اللّه إذا لم أصالحك على شيء أبدا . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « فأجزه لي » ، قال : ما أنا بمجيزه لك ، قال : « بلى فافعل » ، قال : ما أنا بفاعل . قال مكرز : بل قد أجزناه لك . قال أبو جندل : أي معشر المسلمين ، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا في اللّه . قال : فقال عمر بن الخطّاب : فأتيت نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : ألست نبيّ اللّه حقّا ؟ قال : « بلى » قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ قال : « بلى » قلت : فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا ؟ قال : « إنّي رسول اللّه ولست أعصيه ، وهو ناصري » ، قلت : أوليس كنت تحدّثنا ، أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : « بلى ، فأخبرتك أنّا نأتيه العام ؟ » قال : قلت : لا . قال : « فإنّك آتيه ومطوّف به » . قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبيّ اللّه حقّا ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحقّ وعدّونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا ؟ قال : أيّها الرّجل ، إنّه لرسول اللّه ، وليس يعصي ربّه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه « 2 » ، فو اللّه إنّه على الحقّ . قلت : أليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنّك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنّك آتيه ومطوّف به . قال الزّهريّ : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا . قال : فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : قوموا فانحروا ثمّ احلقوا . قال : فو اللّه ما قام منهم رجل ، حتّى قال ذلك ثلاث مرّات ، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس ، فقالت أمّ سلمة : يا نبيّ اللّه ، أتحبّ ذلك ؟ اخرج ، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتّى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلّم أحدا منهم حتّى فعل ذلك : نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتّى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا . ثمّ جاءه نسوة مؤمنات ، فأنزل اللّه تعالى ( الممتحنة / 10 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حتّى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشّرك ، فتزوّج إحداهما ، معاوية بن أبي سفيان والأخرى ، صفوان بن أميّة ، ثمّ رجع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الّذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرّجلين ، فخرجا به حتّى بلغا ذا
--> ( 1 ) يرسف في قيوده : أي يمشي مشيا بطيئا بسبب القيد . ( 2 ) فاستمسك بغرزه : الغرز للناقة مثل الحزام للفرس والمراد اعتلق به واتبع قوله وفعله ولا تخالفه .