العلامة المجلسي

77

بحار الأنوار

كلامه ، وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد : إنما أتباعه العميان والعبيد ، فأعرض عنه ، وأقبل على القوم الذين يكلمهم فنزلت الآيات ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك يكرمه ، وإذا رآه قال : " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ويقول : " هل لك من حاجة " واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين ، ثم قال بعد نقل ما سيأتي من كلام السيد رحمه الله وقيل : إن ما فعله الأعمى كان نوعا من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالاعراض عنه إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه إنما أعرض عنه لفقرة ، وأقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم ، فعاتبه الله سبحانه على ذلك ، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا ، وكان يصنع فيه من اللطف حتى كان يكف عن النبي صلى الله عليه وآله مما يفعل به . " عبس " أي بسر وقبض وجهه " وتولى " أي أعرض بوجهه " أن جاءه الأعمى " أي لان جاءه " وما يدريك لعله " أي لعل هذا الأعمى " يزكى " يتطهر بالعمل الصالح وما يتعلمه منك " أو يذكر " أي يتذكر فيتعظ بما تعلمه من مواعظ القرآن " فتنفعه الذكرى " في دينه ، قالوا : وفي هذا لطف عظيم لنبيه صلى الله عليه وآله ، إذ لم يخاطبه في باب العبوس فلم يقل : عبست ، فلما جاوز العبوس عاد إلى الخطاب " أما من استغنى " أي من كان عظيما في قومه واستغنى بالمال " فأنت له تصدى " أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك " وما عليك ألا يزكى " أي أي شئ يلزمك إن لم يسلم ؟ فإنه ليس عليك إلا البلاغ " وأما من جاءك يسعى " أي يعمل في الخير ، يعني ابن أم مكتوم " وهو يخشى " الله عز وجل " فأنت عنه تلهى " أي تتغافل وتشتغل عنه بغيره " كلا " أي لا تعد لذلك وانزجر عنه " إنها تذكرة " أي أن آيات القرآن تذكير وموعظة للخلق " فمن شاء ذكره " أي ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ انتهى ( 1 ) . وقال السيد رضي الله عنه في التنزيه : أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وآله ، ولا فيها ما يدل على أنها خطاب له ، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه ، وفيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي صلى الله عليه وآله ، لأنه وصفه بالعبوس ،

--> ( 1 ) مجمع البيان 10 : 438 .