صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1571

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

ويرغب في نوافل الخير ، ويترك كثيرا من المباح لوجهه تعالى وتقدّس ، إذا رأى أنّ تركه أقرب إلى العبوديّة من فعله مستبشرا لذلك ، غير ضجر منه ، ولا متعسّر به » . أمّا في المعاملات بين النّاس فهو « أن يكون سمحا لحقوقه ، لا يطالب غيره بها ، ويوفي ما يجب لغيره عليه منها ، فإن مرض ولم يعد ، أو قدم من سفر فلم يزر ، أو سلّم فلم يردّ عليه ، أو ضاف فلم يكرم ، أو شفع فلم يجب ، أو أحسن فلم يشكر ، أو دخل على قوم فلم يمكّن ، أو تكلّم فلم ينصت له ، أو استأذن على صديق فلم يؤذن له ، أو خطب فلم يزوّج ، أو استمهل الدّين فلم يمهل ، أو استنقص منه فلم ينقص ، وما أشبه ذلك ولم يغضب ، ولم يعاقب ، ولم يتنكّر من حاله حال ، ولم يستشعر في نفسه أنّه قد حفي وأوحش ، وأنّه لا يقابل كلّ ذلك إذا وجد السّبيل إليه بمثله ، بل يضمر أنّه لا يعتدّ بشيء من ذلك ، ويقابل كلّا منه بما هو أحسن وأفضل وأقرب منه إلى البرّ والتّقوى ، وأشبه بما يحمد ويرضى ، ثمّ يكون في إيفاء ما يكون عليه ، كهو في حفظ ما يكون له ، فإذا مرض أخوه المسلم عاده ، وإن جاء في شفاعة شفّعه ، وإن استمهله في قضاء دين أمهله ، وإن احتاج منه إلى معونته أعانه ، وإن استسمحه في بيع سمح له ، ولا ينظر إلى أنّ الّذي يعامله كيف كانت معاملته إيّاه فيما خلا ، وكيف يعامل النّاس ، إنّما يتخّذ الأحسن إماما لنفسه ، فينحو نحوه ولا يخالفه » « 1 » . وقال الماورديّ - رحمه اللّه - : حسن الخلق ، أن يكون سهل العريكة ، ليّن الجانب ، طلق الوجه ، قليل النّفور ، طيّب الكلمة « 2 » . حقيقة حسن الخلق وأركانه : وحقيقته أنّه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه ، وأوصافها ومعانيها المختصّة بها بمنزلة الخلق لصورتها الظّاهرة وأوصافها ومعانيها ، ولها أوصاف حسنة وقبيحة . والثّواب والعقاب يتعلّقان بأوصاف الصّورة الباطنة أكثر ممّا يتعلّقان بأوصاف الصّورة الظّاهرة ، ولذا تكرّرت الأحاديث في مدح حسن الخلق وذمّ سوءه « 3 » . وقال أحدهم : حسن الخلق قسمان : أحدهما مع اللّه - عزّ وجلّ - وهو أن تعلم أنّ كلّ ما يكون منك يوجب عذرا ، وأنّ كلّ ما يأتي من اللّه يوجب شكرا ، فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه سائرا إليه بين مطالعة منّته وشهود عيب نفسك وأعمالك . والثّاني : حسن الخلق مع النّاس : وجماعه أمران : بذل المعروف قولا وفعلا ، وكفّ الأذى قولا وفعلا . وهذا إنّما يقوم على أركان خمسة : العلم والجود

--> ( 1 ) مختصر شعب الايمان ، للقزويني ( 116 - 117 ) . ( 2 ) أدب الدنيا والدين ، للماوردي ( 237 ) . ( 3 ) غذاء الألباب ، شرح منظومة الآداب ، لمحمد السافريني الحنبلي ( 1 / 353 - 354 ) .