صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1536

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

زاغت الشّمس أمر بالقصواء ، فرحلت له ، فأتى بطن الوادي « 1 » فخطب النّاس وقال : « إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع ، ودماء الجاهليّة موضوعة ، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهليّة موضوع ، وأوّل ربا أضع ربانا ، ربا عبّاس بن عبد المطّلب ، فإنّه موضوع كلّه ، فاتّقوا اللّه في النّساء ، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان اللّه ، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه ، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه « 2 » ، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح ، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده ، إن اعتصمتم به كتاب اللّه ، وأنتم تسألون عنّي ، فما أنتم قائلون ؟ » قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت ، فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى النّاس : « اللّهمّ اشهد ، اللّهمّ اشهد . ثلاث مرّات » . ثمّ أذّن ، ثمّ أقام فصلّى الظّهر ، ثمّ أقام فصلّى العصر ، ولم يصلّ بينهما شيئا ، ثمّ ركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات « 3 » وجعل حبل المشاة بين يديه « 4 » ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتّى غربت الشّمس ، وذهبت الصفرة قليلا حتّى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد شنق « 5 » للقصواء الزّمام حتّى إنّ رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى : « أيّها النّاس السّكينة السّكينة » كلّما أتى حبلا من الحبال « 6 » أرخى لها قليلا ، حتّى تصعد . حتّى أتى المزدلفة « 7 » فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئا .

--> المزدلفة يقال له ( قزح ) . وقيل : إن المشعر الحرام كل المزدلفة ، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات ، فظنت قريش أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه . فتجاوزه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عرفات ؛ لأن اللّه تعالى أمره بذلك في قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ، أي سائر العرب غير قريش ، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم ، وكانوا يقولون : نحن أهل حرم اللّه فلا نخرج منه . ( أ . ه . نووي ) . ( 1 ) بطن الوادي : هو وادي عرنة ، وليست عرنة من أرض عرفات إلا عند مالك فقال : إنها من عرفات . ( نووي ) . ( 2 ) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه : قال الإمام النووي : المختار أن معناه : أن لا يأذنّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم ، سواء كان المأذون له رجلا أجنبيّا أو امرأة أو أحدا من محارم الزوجة . ( 3 ) الصخرات : هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة ، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات ، فهذا هو الموقف المستحب . ( 4 ) وجعل حبل المشاة بين يديه : روي حبل وروي جبل ، قال القاضي عياض - رحمه اللّه - : الأول أشبه بالحديث ، وحبل المشاة أي مجتمعهم ، وأما بالجيم فمعناه طريقهم . ( 5 ) شنق : ضمّ ، وضيّق . ( 6 ) كلما أتى حبلا من الحبال : جمع حبل ، وهو التل اللطيف من الرمل الضخم . ( 7 ) المزدلفة : معروفة ، سميت بذلك من التزلف والازدلاف ، وهو التقرب ؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها ، وقيل : سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل ، أي ساعات .