صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

31

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له ، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها . فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائته . فلمّا أشرف على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا فلان ، وهو من قوم يعظّمون البدن ، فابعثوها له » . فبعثت له ، واستقبله النّاس يلبّون . فلمّا رأى ذلك قال : سبحان اللّه ، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت . فلمّا رجع إلى أصحابه ، قال : رأيت البدن قد قلّدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدّوا عن البيت . فقام رجل منهم ، يقال له مكرز بن حفص ، فقال : دعوني آته . فقالوا : ائته . فلمّا أشرف عليهم قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا مكرز ، وهو رجل فاجر » . فجعل يكلّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . فبينما هو يكلّمه إذ جاء سهيل بن عمرو . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « قد سهل لكم من أمركم » . فجاء سهيل ابن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينكم كتابا . فدعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الكاتب ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * . فقال سهيل : أمّا « الرّحمن » فواللّه ما أدري ما هي ؟ ولكن اكتب « باسمك اللّهمّ » ، كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : واللّه لا نكتبها إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « اكتب : باسمك اللّهمّ » . ثمّ قال : « هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه » . فقال سهيل : واللّه لو كنّا نعلم أنّك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : « محمّد بن عبد اللّه » ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه إنّي لرسول اللّه وإن كذّبتموني ، اكتب : محمّد بن عبد اللّه » ، وذلك لقوله : « لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات اللّه إلّا أعطيتهم إيّاها » . فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به » . فقال سهيل : واللّه لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة « 1 » ، ولكن ذلك من العام المقبل ، فكتب . فقال سهيل : وعلى أنّه لا يأتيك منّا رجل وإن كان على دينك إلّا رددته إلينا . قال المسلمون : سبحان اللّه ، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينما هم كذلك ، إذ دخل أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده « 2 » ، وقد خرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّا لم نقض الكتاب بعد » . قال : فو اللّه إذا لم أصالحك على شيء أبدا . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « فأجزه لي » ، قال : ما أنا بمجيزه لك ، قال : « بلى فافعل » قال : ما أنا بفاعل . قال مكرز : بل قد أجزناه لك . قال أبو جندل : أي معشر المسلمين ، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ . ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا في اللّه . قال : فقال عمر بن الخطّاب : فأتيت نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : ألست نبيّ اللّه حقّا ؟ . قال : « بلى » قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ . قال : « بلى » . قلت : فلم نعطي الدّنيّة « 3 » في ديننا إذا ؟ . قال : « إنّي رسول

--> ( 1 ) أخذنا ضغطة : أي قهرّا وعنوة . ( 2 ) يوسف في قيوده : أي يمشي مشيا بطيئا بسبب القيد . ( 3 ) نعطي الدنية في ديننا : أي لماذا نرضى بالنقص ؟ .