صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
143
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الأدب والتأديب والتأدب : يتفرّع عن الأدب بمعناه السّابق أمران أو صفتان يرجعان إليه ويستعملان بمعناه هما : التّأدّب : بمعنى التّصرّف اللّائق الّذي يتّفق مع المروءة . والتّأديب : وهو تعليم فضيلة من الفضائل ومعاقبة من يخالف ذلك على إساءته وسمّيت المعاقبة تأديبا ؛ لأنّها تدعو إلى حقيقة الأدب بمعنى الرّياضات المحمودة الّتي يتخرّج بها الإنسان على فضيلة من الفضائل . أنواع الأدب : قال ابن القيّم : والأدب ثلاثة أنواع : أدب مع اللّه سبحانه وتعالى ، وأدب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشرعه ، وأدب مع خلقه . أولا : الأدب مع اللّه - عزّ وجلّ - : الأدب مع المولى تبارك وتعالى ثلاثة أنواع : أحدها : صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة . الثّاني : صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره . الثّالث : صيانة إرادته أن تتعلّق بما يمقتك عليه . فالأدب مع اللّه حسن الصّحبة معه ، بإيقاع الحركات الظّاهرة والباطنة على مقتضى التّعظيم والإجلال والحياء . وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل . ولهذا كان الأدب : استخراج ما في الطّبيعة من الكمال من القوّة إلى الفعل . فإنّ اللّه سبحانه هيّأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهليّة والاستعداد ، الّتي جعلها فيه كامنة كالنّار في الزّناد . فألهمه ومكّنه ، وعرّفه وأرشده . وأرسل إليه رسله . وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوّة الّتي أهّله بها لكماله إلى الفعل . قال اللّه تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( الشمس / 7 - 10 ) . فعبّر عن خلق النّفس بالتّسوية والدّلالة على الاعتدال والتّمام . ثمّ أخبر عن قبولها للفجور والتّقوى . وأنّ ذلك نالها منه امتحانا واختبارا . ثمّ خصّ بالفلاح من زكّاها فنمّاها وعلّاها ورفعها بآدابه الّتي أدّب بها رسله وأنبياءه وأولياءه ، وهي التّقوى ، ثمّ حكم بالشّقاء على من دسّاها ، فأخفاها وحقّرها ، وصغّرها وقمعها بالفجور . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . أدب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع اللّه - عزّ وجلّ - : وجرت عادة القوم : أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حين أراه ما أراه ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( النجم / 17 ) . وصدّر باب الأدب بهذه الآية . وكأنّهم نظروا إلى قول من قال من أهل التّفسير : إنّ هذا وصف لأدبه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك المقام ، إذ لم يلتفت جانبا ، ولا تجاوز ما رآه ، وهذا كمال الأدب ، والإخلال به : أن يلتفت النّاظر عن يمينه وعن شماله ، أو يتطلّع أمام المنظور . فالالتفات زيغ ، والتّطلّع إلى ما أمام المنظور : طغيان ومجاوزة . فكمال إقبال النّاظر على المنظور : أن لا يصرف بصره عن يمنة ولا يسرة . ولا يتجاوزه .