صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
322
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
حتى يأذن له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدخولها « 1 » . استغل المنافقون بعد ذلك حادثة حصلت لأم المؤمنين عائشة - رضي اللّه عنها - في طريق العودة من غزوة بني المصطلق فقد نزلت من هودجها لبعض شأنها ، فلما عادت افتقدت عقدا لها فرجعت تبحث عنه ، وحمل الرجال الهودج ووضعوه على البعير وهم يحسبون أنها فيه ، وحين عادت افتقدت الركب فمكثت مكانها تنتظر أن يعودوا إليها بعد أن يكتشفوا غيابها ، وصادف أن مرّ بها أحد أفاضل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو صفوان بن المعطل السلمي ، فحملها على بعيره وأوصلها إلى المدينة بعد وصول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاستغل المنافقون هذا الحادث ونسجوا حوله الإشاعات الباطلة وتولى ذلك عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وأغرى بالكلام ثلاثة من المسلمين هم مسطح بن أثاثة ، وحسّان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، فاتّهمت أم المؤمنين عائشة بالإفك . وقد أوذي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما كان يسمع من دعايات المنافقين ، وصرّح بذلك للمسلمين في المسجد حيث أعلن ثقته التامة بزوجته وبالصحابي ابن المعطل السلمي ، وحين أبدى سعد بن معاذ استعداده لقتل من تسبب في ذلك إن كان من الأوس ، أظهر سعد بن عبادة معارضته بسبب كون عبد اللّه بن أبي بن سلول من قبيلة الخزرج ، ولولا تدخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتهدئته الصحابة من الفريقين لوقعت الفتنة بين الأوس والخزرج « 2 » . ومرضت عائشة بتأثير تلك الإشاعات الكاذبة ، فاستأذنت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الانتقال إلى بيت أبيها ، وانقطع الوحي شهرا عانى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم خلاله كثيرا ، حيث طعنه المنافقون في عرضه وآذوه في زوجته ، ثم نزل الوحي موضحا : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ « 3 » . وتوالت الآيات بعد ذلك تكشف مواقف الناس من هذه الفرية ، وتعلن بجلاء ووضوح براءة أم المؤمنين عائشة - رضي اللّه عنها - التي أكرمها اللّه سبحانه فمنحها الجائزة والتعويض المناسب لمحنتها وصبرها وحسن توكلها عليه سبحانه ، إذ نزل في براءتها آيات من القرآن يتعبّد بها المسلمون أبد الدهر ، كما علّم المؤمنين آداب التعامل مع هذه المسائل الحسّاسة ، وآداب التعامل مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك « 4 » . لقد كادت حادثة الإفك أن تحقق للمنافقين ما كانوا يسعون إلى تحقيقه من هدم وحدة المسلمين وزعزعة عقيدتهم في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإشعال نار الفتنة بين المسلمين ، ولكن اللّه سلّم فقد تمكّن الرسول القائد صلّى اللّه عليه وسلّم من قيادة الأمة بكفاءة وهو في تلك الظروف الحالكة لتجتاز الامتحان الصعب ، ويصل بها بأمان إلى شاطىء السلامة .
--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة 2 / 293 ، الترمذي - السنن 5 / 90 . ( 2 ) الهيثمي - مجمع الزوائد 9 / 230 ، السيوطي - الدر 5 / 27 . ( 3 ) القرآن الكريم - سورة النور ، الآية 11 ، وانظر : البخاري - الصحيح 9 / 89 ، مسلم - الصحيح 8 / 112 - 118 ، الطبري - التفسير 18 / 89 . ( 4 ) انظر : سورة النور ، الآيات 12 ، 16 ، 22 ، وانظر : البخاري - الصحيح ( فتح الباري - حديث 7370 ) ، مسلم - الصحيح 4 / 2129 ( حديث 2770 ) .