صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
272
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
والفقرة الأخيرة تشير إلى إقرار الوثيقة لمبدأ الجوار الذي كان معروفا قبل الإسلام ، فقد أتاحت لكل مسلم أن يجير ، وألزمت المجتمع الإسلامي بأن لا يخفر جواره ، وحصرت الموالاة بين المؤمنين . غير أن الوثيقة استثنت من بقي على الشرك من قبائل الأوس والخزرج من إجارة قريش وتجارتها ، أو الاعتراض على تصدي المسلمين لها ، فذكرت بأنه : « لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن » « 1 » . وقد بينت المعاهدة أن إعلان حالة السلم والحرب هي من اختصاص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّ « سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلّا على سواء وعدل بينهم » « 2 » . ثم بيّنت الوثيقة عقوبة القتل العمد حيث جاء فيها : « وأنه من اعتبط « 3 » . مؤمنا قتلا عن بدنة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول ، وأن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلّا قيام عليه » « 4 » . وأخيرا فقد أصبح الرسول بموجب هذه الوثيقة هو المرجع الوحيد للفصل في كل خلاف قد يقع بين أطراف التعاقد ( المسلمين وحلفائهم ) في المدينة : « وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى اللّه وإلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » « 5 » . الجهاد : انتشار الإسلام : 1 - الجهاد : قامت دولة الإسلام في المدينة النبوية ، وشرع اللّه سبحانه وتعالى الجهاد ، وكانت البداية للدفاع عن النفس ، قال تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ « 6 » . وقال تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ « 7 » . وأخيرا شرع قتال العدو الكافر من أجل التمكين للعقيدة من الانتشار دون عقبات ، ومن أجل صرف الفتنة عن الناس ليتمكنوا من اختيار الدين الحق بإرادة حرّة ، فقال تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ « 8 » . ولم تكن العقيدة تفرض بالقوة على سكان المناطق التي يفتحها المجاهدون ، فقد كانوا يخيرون باديء ذي بدء بين أن يسلموا ، أو يحافظوا على دينهم ويدفعوا الجزية ، أو يأذنوا بالحرب . وسمح لمن رغب من أهل الكتاب بالمحافظة على دياناتهم بذلك وقد التزم المقاتلون المسلمون بضوابط الحق والعدل والرحمة ، فسجل التاريخ لهم انضباطهم الدقيق ، حيث لم ترد أية إشارة إلى قيامهم بالمجازر أو سلب الأموال . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبيّن
--> ( 1 ) الفقرة ( 20 ) من الوثيقة . ( 2 ) الفقرة ( 17 ) من الوثيقة . ( 3 ) أي قتله بدون مبرر أو جناية توجب قتله ، انظر لسان العرب 7 / 348 . ( 4 ) الفقرة ( 21 ) من الوثيقة . ( 5 ) الفقرة ( 23 ) من الوثيقة . ( 6 ) القرآن الكريم - سورة الحج ، الأية / 39 . ( 7 ) القرآن الكريم - سورة البقرة ، الأية / 190 . ( 8 ) القرآن الكريم - سورة الأنفال ، الأية / 39 .