صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
273
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
للمسلمين ضرورة اقتران النيّة بالجهاد ، وأن لا يكون الدافع إلى القتال الحصول على الغنائم ، أو الرغبة في الشهرة والمجد الشخصي أو الوطني ، فقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن رجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » « 1 » . بل لا بد من إخلاص النية للّه ، وأن لا يقترن القصد من الجهاد بأي غرض دنيوي لأن اللّه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه « 2 » . وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تضمّن اللّه لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلّا جهادا في سبيله ، وإيمانا بي ، وتصديقا برسلي ، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة ، أو أرجعه إلى مسكنه ، الّذي خرج منه ، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ، والّذي نفس محمّد بيده ! ما من كلم - أي جرح - يكلم في سبيل اللّه إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم ، لونه لون دم ، وريحه مسك ، والّذي نفس محمّد بيده ، لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل اللّه أبدا ، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ، ولا يجدون سعة ، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي ، والّذي نفس محمّد بيده ، لوددت أن أغزو في سبيل اللّه فأقتل ، ثمّ أغزو فأقتل ، ثمّ أغزو فأقتل » « 3 » . ومن الصعب تقديم النماذج الكثيرة التي توضح أثر هذه التوجيهات النبوية على نفسية المقاتل المسلم ، ولكن يمكن اختيار نموذجين لمقاتلين من عامة الجند ، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للمسلمين أثناء القتال في غزوة أحد : « قوموا إلى جنة عرضها السّماوات والأرض » ، فسمعه عمير بن الحمام الأنصاري فقال : يا رسول اللّه جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : « نعم » . قال : بخ بخ - كلمة تقال لتعظيم الأمر في الخير - فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ » ، قال : لا واللّه يا رسول اللّه إلّا رجاءة أن أكون من أهلها . قال : « فإنّك من أهلها » . فأخرج تمرات من قرنه ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة . قال : فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل » « 4 » . فهذا النموذج الأول ، وأما الثاني : فقد صح أن أعرابيّا شهد فتح خيبر أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أثناء المعركة أن يقسم له قسما وكان غائبا ، فلما حضر أعطوه ما قسم له ، فجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أن أرمى ههنا - أشار إلى حلقه - بسهم فأدخل الجنة . قال : « إن تصدق اللّه يصدقك » . قال : فلبثوا قليلا ، ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار ، فكفنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بجبته وصلى عليه ودعا له ، فكان مما قال : « اللّهمّ هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا ، وأنا عليه شهيد » « 5 » . إن هذه الرواية شاهد قوي على ما يبلغه الإيمان من نفس أعرابي ألف حياة الغزو والسلب والنهب في الجاهلية فإذا به لا يقبل ثمنا لجهاده إلّا الجنة ، فكيف يبلغ الإيمان إذا من نفوس الصفوة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ .
--> ( 1 ) البخاري - الصحيح 1 / 222 ( ح 123 ) ، 6 / 28 ( ح 2810 ) ، مسلم - الصحيح 3 / 1513 ( ح 1513 ) . ( 2 ) النسائي - السنن 5 / 25 ، 6 / 25 . ( 3 ) مسلم - الصحيح 1495 / 3 ( ح 1876 ) . ( 4 ) مسلم - الصحيح 3 / 1509 - 1510 ( ح 1901 ) . ( 5 ) عبد الرزاق الصنعاني - المصنف 5 / 276 .