صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

249

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

أعلن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما حصل له في تلك الليلة المباركة وكان مشفقا أن يكذّبه قومه ، وقد صدّقه المؤمنون وكذّبه المشركون . يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لقد رأيتني في الحجر ، وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ، فكربت كربة ما كربت مثلها قط . قال : « فرفعه اللّه لي أنظر إليه ، ما يسألوني عن شيء إلّا نبّأتهم به » « 1 » . ولقد افتتن المشركون بأخبار الإسراء ، فمن بين مصفق ، وبين واضع يده على رأسه متعجبا ، فقد استنكروا أن يذهب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الشام ثم يعود في ليلة واحدة في الوقت الذي يقتضيهم ذلك فترة شهرين . ورغم ذلك فقد اضطروا للاعتراف بصحة وصفه لمسجد بيت المقدس « 2 » . وقد صح أن بعض المسلمين قد ارتدّوا « 3 » ، ذلك أنهم كانوا ضعفاء الإيمان فزلزل الحادث إيمانهم ، فكفروا ولم يعودوا إلى حظيرة الإيمان حتى قتلوا « 4 » . أما أبو بكر الصدّيق - رضي اللّه عنه - فعندما أخبره بخبر الإسراء والمعراج صدقه دون تردد ، قائلا للمشركين : « لئن قال ذلك لقد صدق . فتعجّبوا وقالوا : أو تصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ فقال : وما يعجّبكم من ذلك ! فو اللّه إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك ، أصدقه في خبر السماء في غدوه أو رواحه . ثم أقبل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسأله عن وصفه ، وكلما ذكر شيئا قال صدقت . أشهد أنك رسول اللّه . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وأنت يا أبا بكر « الصدّيق » « 5 » ، فيومئذ سماه « الصديق » . لقد تأول بعض العلماء حادث الإسراء والمعراج فزعموا أنها رؤيا منامية ، وذهب بعضهم إلى القول بأنها حصلت بالروح دون الجسد « 6 » ، وقد ثبت عن طريق ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنها كانت « رؤيا عين بالروح والجسد يقظة لا بالمنام » وهذا هو رأي جمهور العلماء « 7 » . أسرى بك اللّه ليلا إذ ملائكة * والرسل في المسجد الأقصى على قدم

--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 8 / 391 حديث 4710 ) ، مسلم - الصحيح ( 1 / 156 - 157 حديث 170 ) ، أحمد - الفتح الرباني 20 / 262 من حديث عبد اللّه بن عباس بإسناد صحيح . ( 2 ) أحمد - المسند 1 / 309 بإسناد صحيح ، وقد صححه السيوطي في الدر المنثور 4 / 155 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 64 - 65 . ( 3 ) ابن هشام - السيرة النبوية 2 / 45 ، الحاكم - المستدرك 3 / 62 - 63 ، وصححه ووافقه الذهبي . ( 4 ) أحمد - المسند 1 / 349 بإسناد صحيح ، ابن كثير - التفسير 3 / 15 وفي إسناده هلال بن خبّاب صدوق . ( 5 ) الحاكم - المستدرك 3 / 62 - 63 ، 76 - 77 ، وفي إسناده محمد بن كثير الصنعاني صدوق كثير الغلط ( التقريب ص / 504 ) . ( 6 ) الخفاجي - نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض 2 / 265 . ( 7 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 202 ، وانظر نفي سفيان بن عيينة أن تكون رؤيا منام عن تفسير الطبري 15 / 110 ، ويقول ابن حجر : إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وروحه بعد البعث ، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين ، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ، ولا ينبغي العدول عن ذلك ، إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل » ( فتح الباري ( 15 / 44 ) ، وانظر ابن القيّم - زاد المعاد 1 / 99 ، 3 / 34 ، 40 حيث نص إلى أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة .