صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
236
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وقامت بين أبي بكر الصديق ومجموعة من مشركي قريش مجادلة حادة حول الحرب القائمة بين الامبراطوريتين الرومية والفارسية بعد نزول الآية ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ « 1 » . وكان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم لأنهم نصاري وكانت عاطفة المشركين مع الفرس لأنهم أهل أوثان مجوس . وقد راهن أبو بكر على انتصار الروم خلال خمس سنوات ، وذلك قبل تحريم الإسلام للمراهنات « 2 » . ولا بد أن فرحة المؤمنين بانتصار الروم كانت كبيرة لما في ذلك من تأييد القرآن وخذلان المشركين فضلا عن انتصار أهل الكتاب على المجوس ، وقد أسلم عدد من الناس على أثر ذلك « 3 » . وينبغي أن نشير إلى أن الصراع بين الدولتين الكبيرتين فارس والروم كان له أثره في التجارة من جهة ، ويستلزم استمرار المراقبة للأوضاع خارج الجزيرة وعلى أطرافها لما كان له من آثار على التعامل الخارجي التجاري في بلد يعتمد على التجارة مثل مكة « 4 » . كما أن نزول الآيات الخاصة بذلك الصراع تشير إلى أهمية متابعة التطورات السياسية التي تجري على أطراف جزيرتهم ، كما أن فيها ما يشير إلى وحدة مواقف المؤمنين باللّه وتمايزهم أمام الإلحاد والوثنية . وكان الجدل حول هذه المسألة يوضح أحد جوانب الصراع العديدة بين الجانبين « 5 » . ولقد تصاعد العنف مع مرور الأيام ، وأصبح المسلمون يشكلون مجتمعا معزولا عن المجتمع المكي ، تحيط بهم النظرات الغاضبة والألسن الشاتمة والأيدي التي تسومهم أصناف العذاب ، ولذلك فقد أصبح استقرار المسلمين في مكة أمرا ينطوي على المخاطر الكبيرة ، وذلك ما أدى إلى ضرورة التفكير بالهجرة إلى أماكن آمنة يهاجرون إليها فرارا بدينهم ونأيا بأنفسهم عن العذاب ، وكانت الحبشة أول المناطق التي فكروا بجدوى الهجرة إليها . الهجرة الأولى إلى الحبشة : نزلت آيات الذكر الحكيم تلمح إلى الهجرة في قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 6 » . ولما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يصيب أصحابه من البلاء وما كان ينالهم من التعذيب والإهانة ، وأنه لا يقدر أن يمنع عنهم ما يصيبهم ، نصح المسلمين بالخروج إلى أرض الحبشة « 7 » . وفي تلك الظروف الحرجة كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة فرارا بدينهم من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان . ومن الثابت أن المسلمين هاجروا إلى الحبشة
--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة الروم ، الآيات / 1 - 5 . ( 2 ) الترمذي - السنن 5 / 343 - 344 ، الحاكم - المستدرك 2 / 410 ، الطبراني - المعجم الكبير 12 / 29 ، الطبري - التفسير 21 / 12 ، البيهقي - دلائل النبوة 2 / 330 . ( 3 ) الترمذي - السنن 5 / 344 - 345 . ( 4 ) ابن كثير - التفسير 6 / 305 - 306 ( ط . الشعب ) ، وانظر الطبري - التفسير 21 / 19 . ( 5 ) ابن كثير - التفسير 3 / 423 . ( 6 ) القرآن الكريم سورة الزمر ، الآية / 10 . ( 7 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 189 ، ابن هشام - السيرة 1 / 334 ، وانظر السير والمغازي ص / 123 .