صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
213
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
والعلم تترتب عليه مسؤولية دينية ، فالعالم يسأل عن موقفه العلمي يوم القيامة « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع خصال : . . . وعن علمه ماذا عمل فيه » « 1 » والعالم مسؤول عن نشر العلم وعدم كتمانه « من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار يوم القيامة » « 2 » . والعلم بحر لا ساحل له ، ولا يمكن للفرد الإحاطة به ، لذلك لا بد من الاستمرار في طلبه دون انقطاع ، وقد أثمرت هذه القيم الثقافية حركة فكرية زاهرة حيث صار « التعلم المستمر » و « تراكم المعرفة » و « تجميع العلم » ودراسته بصورة منظمة من أبرز خصائص الحركة الفكرية في عصور الإسلام الذهبية . وكانت الدعوة الإسلامية ترتكز على مفهوم أن العقل وحرية الفكر مناط التكليف ، وطالبت أتباعها بالبحث الحر عن الدليل أو البرهان ، وأنكرت تقليد الآخرين ، فلم يظهر في الإسلام كهنوت يدّعي احتكار فهم الإسلام وحق تفسير نصوصه كما حدث في تاريخ الأديان الأخرى ، بل بوسع كل مسلم أن يرجع إلى القرآن والسنة وأن يتضلع في علومهما ويأخذ بعد ذلك عنهما ، ويناقش الآخرين في صحة الدليل وطريقة الاستدلال . وأخيرا . . فإن التأمل في المنطلقات الفكرية للدعوة الإسلامية يكشف عن مبادئ أساسية تتمثل في تحقيق العبودية للّه ، والكرامة والحرية والعلم والعدل والمساواة والشورى « 3 » للإنسان الذي يتجه إليه الخطاب الإسلامي في مطلق الزمان والمكان . مرحلة الدعوة السرية : بدأت الدعوة الإسلامية بمكة المكرمة بشكل سري وتتراوح مدة هذه المرحلة بين ثلاث وأربع سنوات « 4 » . وكانت مكة تخضع لقريش بعشائرها الأربع عشرة التي كان لكل منها كيانها الخاص مع تحالفها ضمن الإطار العام لقبيلة قريش . وكان من المتوقع أن ينتشر الإسلام في عشيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم في قريش التي ينتمي إليها أخيرا ، غير أن انتشار الإسلام لم يرتبط بالعشائرية ولا بالعصبية القبلية . ورغم أن بني هاشم قد تعاطفوا مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فإن ذلك لم يدفعهم إلى الدخول في الإسلام أكثر من غيرهم . وانتشر الإسلام في هذه المرحلة في سائر عشائر قريش بشكل متوازن وهو أمر يخالف طبيعة الحياة البدوية والنظرة القبلية . ولعل ذلك قد أعان على انتشار الإسلام بين مختلف العشائر دون تحفظات عصبية ، ولو دققنا في انتماءات كل من أبي بكر الصديق التيمي ، وعثمان بن عفان الأموي ، والزبير بن العوام الأسدي ، وعلي بن أبي طالب الهاشمي ، ومصعب بن عمير الداري ،
--> ( 1 ) أبو داود - السنن 3 / 323 ، وابن ماجة - السنن 1 / 93 . وقال محقق « جامع الأصول » ( 10 / 436 ) : وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وهو كما قال . ( 2 ) أبو داود - السنن 3 / 321 ، والترمذي - الجامع 5 / 29 . وقال محقق « جامع الأصول » ( / 12 ) : وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وهو كما قال ، وله شاهد عند الحاكم من حديث عبد اللّه بن عمرو ، وصححه ووافقه الذهبي . ( 3 ) انظر الصفات الخاصة بهذه الأمور في مواضعها من الموسوعة . ( 4 ) المرويات التي أوردها ابن إسحاق والواقدي حددت الفترة بثلاث سنين : ابن سعد - الطبقات 1 / 199 ، ابن هشام - السيرة النبوية 1 / 262 ، وحددها البلاذري في أنساب الأشراف ( 1 / 116 ) بأربع سنين .