عماد الدين خليل

92

المستشرقون والسيرة النبوية

حقائق تاريخية قيمة عن العصرين المكي والمدني ، وأن يصنعوا من نسيج الآيات ذات الصيغة التاريخية صورة عن السيرة هي في الحقيقة من أدق ما كتب عنها إلى الآن ، ويكفي أن ننظر - على سبيل المثال - في كتاب دروزة ( سيرة الرسول : صور مقتبسة من القرآن الكريم ) ، وصالح أحمد العلي ( محاضرات في تاريخ العرب ) إلى حد ما ، وسيد قطب في تفسيره لسور ( الأنفال ) و ( آل عمران ) و ( الأحزاب ) و ( التوبة ) و ( محمد ) و ( الفتح ) وغيرها في كتابه ( في ظلال القرآن ) لتبين ما يمكن أن يقدمه كتاب اللّه عن سيرة رسوله الكريم من معلومات ذات قيمة أكيدة . إن القرآن الكريم كتاب عقيدة ومنهج حركة ، وإذا حدث وأن طرح جانبا من الوقائع التاريخية ؛ فإنّ هدفه ليس تكوين لوحة متناسقة شاملة لمجريات الأحداث في عصر بكامله . وإنما ملامسة بعض هذه الأحداث والتعقيب عليها لكي يركب منها موقفا يا بني به الإنسان المسلم والجماعة المسلمة . . أي : أنه يعتمد أسلوب التعليم والتربية بالحدث ، وهو واحد من أشد الأساليب حيويّة وعطاء ؛ لأنه يحقق ما يسمى بمبدأ ( الاقتران الشرطي ) ويجعل النمو الحركي للجماعة الإسلامية يستمد مقوماته من الواقع المعيش لا من النظريات المعلقة في الفراغ والجدل اللاهوتي العقيم . ثم إن ( وات ) ما يلبث أن يقع في تناقضين آخرين ، فهو من جهة يعترف بأن القرآن يطلعنا على الجانب الفكري لمجموعة من التغيّرات التي حدثت في مكة وفي ضواحيها ، وهي تغيرات تاريخيّة ، بل إنها قمة التغيّرات التاريخية ، لأنها بمثابة الحصيلة النهائية للحركة التاريخية التي ترفدها الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبما أن القرآن الكريم ، كما أشرنا قبل قليل ، ليس بحثا في التاريخ ، فهو يكتفي بطرح التغيّرات الأعمق والأشمل ، ويترك جزئيّاتها المتشكّلة في تيّارات العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مكتفيا بالإشارة إليها بين الحين والحين .