عماد الدين خليل

81

المستشرقون والسيرة النبوية

على القول بأنه مبالغ في ذلك كثيرا « 1 » فهو يقول : « يجب على الباحث اليوم بعد اطلاعه على نزعات المؤرخين الأوائل ومصادرهم : أن يكون باستطاعته أن يحسب حساب التحريفات ، وأن يقدّم الوقائع بصورة أمينة ، ويجب أن يقابل الاهتمام ( بالتسوية المغرضة ) في الرواية القديمة الاعتراف بصحة المادة عامة ، ولما كان عدد كبير من الأسئلة التي يهتم بها المؤرخ أواسط القرن العشرين لا يتأثر بتدخل ( التلفيق المغرض ) ؛ فليس هناك صعوبة في استخراج أجوبة على هذه الأسئلة من المصادر » « 2 » . وهو يطرح هذا الافتراض : « من الصعب مثلا القول بأنّ روايات ابن سعد في الأنساب اختلاق محض ، فمن ذا الذي تجشم مشقة اختلاق هذا الإطار المعقد ؟ وما هي الأسباب ؟ يضاف إلى ذلك أنه إذا كنا نحن الذين لا نهتم بالأنساب نعرف من أجدادنا أجدادهم حتى جيلين أو ثلاثة ، فما هو المدهش في أن يعرف حتى العرب الشغوفون بالأنساب عن أجدادهم ستة أو ثمانية أو عشرة أجيال ؟ لقد لقي جون فان أس طفلا يعرف خمسة عشر من أجداده » « 3 » ، وهو يصل عبر تحليله لقوائم المعارضين الوثنيين في مكة إلى هذا الاستنتاج المهم : « يتأكد إذن أن المؤلفين الذين وصلتنا مؤلفاتهم كانوا يملكون مادة تاريخية صحيحة ، وقد استخدموها بذكاء » « 4 » . ومع ذلك كله فإنّ ( وات ) مارس هو الآخر ، وكما رأينا ، نوعا من المبالغة في شكوكه ، ونفيه الكيفيّ ، وافتراضاته ، ولا تكاد رواية من الروايات التي تتحدث عن العصر المكي تخرج من ( مختبره ) إلى ميدان القبول إلّا بصعوبة . . ونجد عبارات نقدية كهذه تتصادى في كتابه : « يبدو

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ، المقدمة ، ص 10 - 11 . ( 3 ) المصدر السابق نفسه ، المقدمة ، ص 11 - 12 . ( 4 ) المصدر السابق نفسه ، ص 213 .