عماد الدين خليل
68
المستشرقون والسيرة النبوية
إنه إذا كان في الحالة الأولى يشكّك فيما هو أقرب إلى الصدق ، فإنه في الحالة الثانية يصدق ما هو أقرب إلى الكذب . . والموقفان في حقيقة الأمر وجهان لعملة واحدة ؛ هي عملة النقد الذي يتجاوز حده الإيجابي البنّاء إلى الهدم والنفي والتشكيك . . إنه يفترض - مثلا - أن الآية التي تندّد برفض السجود عند تلاوة القرآن « 1 » إنما هي بادرة لبعض المعارضة في صفوف المؤمنين ، أو إنها نوع من الارتداد عن الدين ، وهو يستعمل هذه العبارة الافتراضية : « ولربما تخيّلنا أن الآية يمكن أن تكون تلميحا . . . إلى آخره » « 2 » . كما يفترض أن « تجربة محمد في نخلة ، عند عودته من الطائف « 3 » ، والتي هدأت من انحطاطه العصبي ، مرحلة في حرمانه الثقة بالمجتمع الإنساني » « 4 » . ولا داعي للتأكيد أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ما فقد الثقة يوما بالمجتمع الإنساني ، ولا عانى من أي انحطاط عصبيّ ، وإنما طرح قولته المعروفة مخاطبا اللّه سبحانه وتعالى : ( إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ) ، والتي تتضمن معنى التماسك النفسي إزاء الأحداث ، والثقة المطلقة بعون اللّه والاستعداد المتحدّي لمواصلة الطريق . وعن سودة بنت زمعة زوجة الرسول صلى اللّه عليه وسلم الثانية بعد خديجة ، يقول ( وات ) : « نستطيع أن نفترض أنّ صلتها بمحمد كانت صلة خادم
--> ( 1 ) يشير بذلك إلى الآية 21 من سورة الانشقاق : ( وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ) . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ، ص 211 . ( 3 ) يشير وات بذلك إلى الآيات القرآنية التي تتحدّث عن سماع الجنّ للقرآن الكريم في سورة الأحقاف : ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) انظر الآيتين : 29 - 30 من سورة الأحقاف . ( 4 ) محمد في مكة ، ص 217 .