عماد الدين خليل
51
المستشرقون والسيرة النبوية
التاريخيّة الماضية ، ومحاولة تحكيم المنطق الوضعي واعتماده في تحليل مكونات تلك الوقائع ، وارتباطها وتفحص طبيعة نسيجها . وثمّة مأخذ آخر أقل ترددا في كتاب ( وات ) يقوم على فكرة رد بعض وقائع السيرة إلى أصول دينية سابقة ، يهودية ونصرانية ، فلنبدأ بالمسألة الأولى : المبالغة في النقد ، والنفي الكيفيّ ، وإثارة الشكوك ، واعتماد الضعيف الشاذّ . . . بعد استعراض أهم أحداث السيرة بين ميلاد الرسول صلى اللّه عليه وسلم وزواجه بخديجة رضي اللّه عنها وتحليلها ، يقول ( وات ) : « تلك هي الوقائع التي تهيمن على حياة محمد قبل زواجه ، من وجهة نظر المؤرخ بعض هذه الوقائع موضع جدل . . وهناك مع ذلك عدد كبير من الروايات التي يمكن تسميتها « بذات الطابع الفقهي » ، ولا شك أنها ليست حقيقة بالمعنى الواقعي للمؤرخ ؛ لأنها تحاول وصف وقائع يمكن نسبتها لفترات لا حقة من حياة محمد ولكنها تعني مع تلك مغزى محمد بالنسبة للمسلمين والمؤمنين ؛ فهي بذل حقيقة بالنسبة إليهم . . وتكون ملحقا مناسبا لحياة نبيهم . وربما يمكن اعتبارها كتعبير ( لمن كان له عيون ترى ) فرأى لو كان شاهدا لها ، ويكفي أن نذكر أشهر هذه القصص كما يرويها ابن إسحاق » « 1 » . ويورد وات نص رواية ( الملكين ) و ( وبحيرى الراهب ) كما يرويها ابن إسحاق ، ثم يعقّب عليها بأن القارئ يجد نفسه إزاء أرضيّة مهزوزة لوقائع هذا المدى الزمني الذي يبلغ ربع القرن بين الميلاد والزواج . أولا : لأن بعض هذه الوقائع موضع جدل . ثانيا : لأن هناك عددا كبيرا من الروايات يمكن تسميتها بذات الطابع الفقهي ، وهي ليست حقيقة بالمعنى الواقع المؤرخ ، وإنما هي حقيقة فقط بالنسبة للمسلمين ! ! .
--> ( 1 ) محمد في مكة ، ص 66 .