عماد الدين خليل

43

المستشرقون والسيرة النبوية

أمر النبي العربي ورئيس جمهورية مكة ( أبي سفيان ) الخبير المحنّك الذي كان يتكلّم بلسان الملأ المكّي ، هذا يعترف بسيادة النبي الروحية والعالمية ويهجر الأوثان ويؤدّي الزكاة ويقيم الصلاة ، وذاك يتعهد أن تبقى مكة مركز البلاد العربية الديني ، وأن يجعل لأعيان مكة وقادة أفكارها حظّا في إدارة المملكة أو الجمهورية الروحية الجديدة ، وأن يتركهم وشأنهم يتاجرون ويعيشون كما يشاؤون ، أما الفريق الثالث ، أي : الفقراء ، وهو الطرف الذي استعرت الحرب لأجله وظهرت الدعوة لتحسين أحواله ؛ فقد أرضوه في بادئ الأمر بشيء من الصدقات والزكاة ، ثم نسوه أو تناسوه بعد وفاة النبي وخلفائه الأولين ، فرجع إلى حالته الأولى بل إلى ما هو أسوأ منها » « 1 » . ويقول في مكان آخر : « لا شك أن النبي العربي لم يقصد بأقواله وأفعاله في مكة والمدينة إلى أن يستأصل أسباب الشر الاجتماعي ، ويقتل جميع جرائمه ، كما يحاول أن يفعل اليوم جماعة الاشتراكيّين على اختلاف أسمائهم ونزعاتهم ، بل كانت غايته الكبرى أن يخفف من وطأة تلك الأمراض على بعض طبقات الناس ممن خلقوا بعد قسمة الأرزاق أو وقعوا في الفقر والرقّ لأسباب لم يقو على مقاومتها . وإلّا فلو أراد أن يقتل جراثيم الأمراض الاجتماعية كلها لكان لجأ بعد أن أصبح صاحب الأمر والنهي في جزيرة العرب إلى وسائل غير تلك التي ذكرناها » . « وما مثل النبي من هذا الوجه إلّا مثل الأنبياء الذين سبقوه ؛ أي : أنه فضل استعمال الوسائل الأدبية - إلا فيما ندر من الظروف - على غيرها من الطرق التي لجأ إليها في عصرنا بعض مصلحي وسياسيي أوربة كلينين

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 51 - 52 .