عماد الدين خليل
33
المستشرقون والسيرة النبوية
وإنما كان ينظر نظرة شمولية بعيدة كل البعد عن رد الفعل المباشر ، وهذا هو الذي يفسر لنا الكثير من الأخطاء التي مارستها مناهج البحث الاستشراقية في كافة أجنحتها . ونحن لا نطلب من الغربيّين هنا أن يؤمنوا أن القرآن الكريم منزل من السماء وأنّ محمدا رسول اللّه . . وإنما نطلب أن يكونوا أكثر تجرّدا وموضوعية فينظروا إلى سيرة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم كوحدة عضوية متكاملة . وإلى القرآن الكريم كبرنامج عقيديّ مترابط تعلو مكوناته على الظروف الموقوته زمانا ومكانا ، بالرغم من ملامساتها اليومية المباشرة للوقائع الزمانية والمكانية ، ولكنها الملامسة التي تنبثق عنها قيم ودلالات ذات طابع شمولي ما كان للمستشرقين أن يغافلوا عن أبعادها . ثالثا : ردّ معطيات السيرة إلى أصول نصرانية أو يهودية : إن هذا التصور ( المسبق ) يكاد يأخذ برقاب المستشرقين ، ويضع بصماته العميقة على مناهجهم في التعامل مع وقائع السيرة وظاهرة النبوة . . ويحاول الدكتور جواد علي أن يبين الأسباب : « إن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين ، أو من المتخرجين من كليات اللاهوت ، وهم عندما يتطرّقون إلى الموضوعات الحساسة من الإسلام يحاولون جهد إمكانهم ردّها إلى أصل نصرانيّ ، وطائفة المستشرقين من اليهود ، وخاصة بعد تأسيس ( إسرائيل ) وتحكّم الصهيونية في غالبيتهم ، يجهدون أنفسهم بردّ كل ما هو إسلامي وعربي لأصل يهودي ، وكلتا الطائفتين في هذا الباب تبع لسلطان العواطف والأهواء » « 1 » . ويلقي ( طيباوي ) مزيدا من الضوء على هذه العقدة المنهجية في العقل الاستشراقي وعلى دوافعها المذهبية ، فيقول : « إن النظرة الأولى للإسلام
--> ( 1 ) تاريخ العرب في الإسلام : 1 / 9 - 11 .