عماد الدين خليل
115
المستشرقون والسيرة النبوية
وثمّة تأكيد ثالث لهذا المنظور الذي لا يغافل الدافع المادي ، ولكنه يضعه في مكانه تماما : « إن الأسباب المادية لا تنفي الأسباب الدينية ، بل الاثنان متكاملان ، والقول الحق هو أن الأفكار الدينية يجب أن تكون ضرورية لتجعل الناس يدركون الوضع العام الذي يعيشون فيه ، والأهداف التي يسعون وراءها ، وللدين في نظر التفكير الديني مظاهره السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، هذا هو الحال في الشرق الأدنى ، وهو مع ذلك ظاهرة غريبة في نظر الغربيّين ، ولكن يجب ألّا يعمينا ذلك عن إدراك أن الجانب الدينيّ في الحركة التي تزعّمها محمد كان دائما صحيحا وثيق الصلة بالجوانب الآخرى » « 1 » . وانطلاقا من هذه القدرة على ( التحرّر ) من شدّ التقليد الغربيّ بصدد الدوافع الاقتصادية ، يطرح ( وات ) في مقدمة كتابه هذا السؤال : « هل يعني هذا أن ظهور ديانة جديدة في الحجاز وانتشار العرب في فارس وسورية وإفريقية الشمالية مرتبطان بتغيّر اقتصادي خطير ؟ » ، وما يلبث أن يجيب عليه بقوله « هناك من يجيب بالإشارة إلى قحط صحراء الجزيرة العربية ، وأن الجوع هو الذي دفع العرب على طرق الفتح ، لندع جانبا مؤقتا ، المسألة العامة عن التغيّر الاقتصادي ، ويكفي أن نشير إلى أنه ليس هناك برهان وثيق على سوء الأحوال المناخية في الصحراء « 2 » . فلقد كانت الحياة فيها مقبولة . ونسمع عن صحابة محمد أنهم - أثناء الفتوحات خارج الجزيرة - كانوا يعودون أدراجهم إلى حياة الصحراء التي يحبّونها ، ونشعر من خلال ذلك أنّ البدو لم يكونوا أسوأ حالا من الماضي ، بل كانوا أفضل حالا بسبب ما يستفيدونه من ازدهار مكة المستمر . . ولقد وجدت صناعات صغيرة في
--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 239 - 240 . ( 2 ) انظر : أرنولد توينبي ، دراسة في التاريخ : 3 / 439 ، 445 ، 453 ، 454 .