عماد الدين خليل
116
المستشرقون والسيرة النبوية
الحجاز ، ولا سيما لتلبية حاجات البدو والحضر ، وإن سمعنا عن سلع من الجلد فمصدرها الطائف ، ولكن هذه الصناعات ليست مهمّة في كتابة سيرة محمد لنعدّها عاملا فعالا » « 1 » . بينما نجد أتباع التفسير المادي للتاريخ يعضّون بالنواجذ على أية إشارة من هذا النوع : صناعات جلدية ، تجمعات عمالية لعصر الكروم وتخميرها ! ! وما شابه ذلك ؛ لكي يقيموا عليها تحليلاتهم التي تنطوي في تشنجها المدرسي الأعمى ، حتى نبوة الأنبياء وشعر الشعراء وحكمة الحكماء . . وهم يصلون - من خلال ذلك - إلى استنتاجات تصل حد التمحّل الذي يثير الاستغراب . . و ( وات ) يرفض الانسياق وراء هذا التقليد مؤكدا نقائضه الحين تلو الحين ، برغم أنه يمثل - بحد ذاته - تناقضا مع عدد من أطروحاته التي أشرنا إليها قبل قليل . . « إن المستضعفين انتموا للإسلام متأثرين بقلقهم الخارجي والداخلي أكثر من تأثرهم بأي نفع اقتصادي أو سياسي . . وليس غريبا أنّ بعض الأشخاص قد دفعهم إلى الإسلام النواحي السياسية والاقتصادية فيه ، ولا يبدو - مع ذلك - أن عددهم كان كبيرا » « 2 » . وعلى أيّة حال فإن ( وات ) الذي دعا في مقدمة كتابه إلى الاهتمام الواسع بالعامل المادي في تفسير الوقائع التاريخية ، لم يسمح لنفسه بأن يذهب مع المقولة إلى نهاية المدى ، متخطّيا كل حواجز المنطق والواقعة التاريخيّة وتعقيدات الدّور البشري في التاريخ . . وبذلك أثبت أنه أكثر موضوعيّة من جلّ الذين أغراهم الدافع المنظور فوقعوا أسرى حشد من الأخطاء .
--> ( 1 ) محمد في مكة ، ص 19 - 20 . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ، ص 164 .