عماد الدين خليل
112
المستشرقون والسيرة النبوية
والموقف من مقاطعة المسلمين المعروفة في شعب أبي طالب ، وفشل هذه المقاطعة يرجع بها ( وات ) - كذلك - إلى الاقتصاد والمصالح الاقتصادية ، فيقول : « لا مغزى لغياب المشتركين الآخرين في حلف الفضول ( عن التوقيع على وثيقة المقاطعة ) ما عدا غياب عبد شمس ، ولكن كل شيء يحمل على الاعتقاد بأنّ هذه القبيلة كانت تسعى لعقد صلات متينة مع مخزوم لخدمة مصالحها المشتركة ، فكان لا بد من أن يوجه ذلك سياستها أكثر من المحالفات القديمة ، وإذا جاز لنا تقديم ملاحظة حول الدوافع التي أدت إلى توقف المقاطعة ؛ فإنّنا نقول : إنهم أدركوا بمرور الزمن أن التحالف الكبير والمقاطعة يقوّيان مركز القبائل القوية التي كانت تحاول القيام بمراقبة التجارة المكّية ، وإخفاق مكانة سائر القبائل » « 1 » . وتفاصيل الظروف التي انتهت إلى إلغاء المقاطعة معروفة « 2 » ، ونخوة الإنسان لمجابهة الظلم وإنقاذ المظلومين طبع مركوز في جبلّة الإنسان إلّا إذا جرّدناه عن قيمه كإنسان ، وعددنا المجتمع البشري مجتمعا حشريا لا تحركه إلّا المصالح الصرفة . . أما على مستوى الأخلاق العربية القديمة ذات الوجود التاريخي الثقيل ، فإنّ المسألة تبدو أكثر وضوحا ، وعلى هذا الضوء يمكن أن نفهم ما جرى . ومحمد صلى اللّه عليه وسلم نفسه يضرب على وتر الدوافع الاقتصادية المصاحبة لكسب الأنصار ، فيما يقتبسه ( وات ) عن ( لا مانس ) الذي سبق وأن رفض التسليم باستنتاجاته ، « كان الأشخاص الذين اتصل بهم محمد ، وهم عبد ياليل وإخوته ينتمون إلى قبيلة عمر بن عمير المنتمية للأحلاف ، فكانوا بذلك من
--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 196 . ( 2 ) انظر ابن هشام : تهذيب من 89 - 91 ، الطبري : تاريخ 2 / 341 - 343 ، البلاذري : أنساب : 1 / 335 - 336 ، ابن سعد : طبقات : 1 / 1 / 141 ، ابن الأثير : الكامل : 2 / 87 - 90 .