عماد الدين خليل

110

المستشرقون والسيرة النبوية

المنام على حافة هاوية من النار يدفعه إليها أبوه ويدفعه عنها رجل آخر لينقذه منها . . أما عمر بن الخطاب الذي أسلم بعد هذه الفترة ؛ فقد أسلم لتأثره من سماعه آيات القرآن ومن رؤيته أخته تتأذّى « 1 » . ترى كم من المسلمين قادتهم إلى الإسلام تلك ( الهزّة الوجدانية ) التي أحدثتها آيات القرآن الكريم الساحرة ، المعجزة ، وهي تتلى عليهم ، فتغسل ضمائرهم وتزيل زيغ قلوبهم ، وتعيد ألق الذكاء إلى عقولهم ونور اليقين إلى بصائرهم وأفئدتهم ؟ وهل بعد هذه ( الهزة ) الشاملة التي تنقل الإنسان من حال إلى حال تفكير ( منفعي ) محدود في أمعاء تمتلئ طعاما ، وجيوب تفيض فضة وذهبا ؟ ما الذي دفع عثمان بن عفان وهو في قمة قريش غنى ومكانة وأمانا ومحبة وجاها ، إلى أن يتمرّد على جاهليته ويقف في لحظات الدعوة الأولى ، الصعبة الغامضة ، الخطيرة ، بمواجهة قومه وعشيرته ، رافضا الغنى والمكانة والجاه والمحبة ، مختارا بدلا منها الفقر والزراية والخوف والكراهية ؟ حتى إنه ليستهين بسياط عمه وهي تنزل على ظهره من أجل أن تعيده إلى حظيرة الآباء والأجداد ؟ وما الذي دفع أبا بكر - وعشرات غيره - إلى أن ينفقوا من أموالهم الخاصة التي كدحوا من أجلها ينفقونها إلى آخر درهم ، حتى إن الرسول ليسأل الصدّيق : وما الذي أبقيت لعيالك يا أبا بكر ؟ فيكون جوابه : أبقيت لهم اللّه ورسوله ! ! وما الذي دفع سعد بن أبي وقاص ، الغنيّ المدلّل ، إلى أن يرفض توسّلات أمه وقد أوثقته وباطا من أجل أن يرتدّ عن دينه ، فما يكون جوابه إلّا أن يقول : واللّه يا أمّ لو رأيتك تموتين مئة مرة ثم تعودين ثانية إلى الحياة ما ردّني ذلك عن ديني ؟ ! ( وغير عثمان وأبي بكر وسعد كثيرون ) . . إن ( وات ) نفسه يقول : « لقد انتمى إلى الإسلام شباب من أفضل العائلات ، وخالد بن سعيد أفضل مثل لهذه الفئة ، ولكن هنالك آخرون غيره وكانوا ينحدرون من أقوى العائلات وأشهر القبائل ، تربطهم روابط متينة

--> ( 1 ) محاضرات في تاريخ العرب : 1 / 338 .