عماد الدين خليل
107
المستشرقون والسيرة النبوية
ذلك أن للكلمات إيحاآت وظلالا ، وإنه ليتوجّب على الباحث الجادّ أن يعرف كيف ينتقي كلماته . . وإلّا كان من حقّنا - كطرف في الموضوع - أن نتهمه بالأغراض ! ! أو على الأقل بأنه يجهل الفارق الحاسم بين المرحلتين المكيّة والمدنيّة حيث لم يكن التوجه في الأولى ينصب أساسا على إقامة المؤسسات ، وكان الهدف : العقيدة من أجل الأساس الصالح لإقامة المؤسسات . 5 والآن ماذا بصدد تقليد القرنين الأخيرين القائل بفاعلية العامل الاقتصادي في التاريخ ، والذي أخذ يتضخّم ويتضخّم حتى غدا على يد ماركس وأنجلز الحاكم بأمره في حركة التاريخ ، بل إنه أصبح القاعدة الأساسية لكل تغيّر أو تحوّل حتى ولو كان دينيا أو أخلاقيا أو جماليا صرفا ؟ ولقد أسر هذا الاعتقاد بدرجة أو أخرى ، حتى أولئك المؤرخين الذين لم يعتنقوا المادية التاريخية ، ولكنهم أصرّوا على تفسير كل ظاهرة تاريخية بالدافع الاقتصادي . . فلمّا تبيّن بمرور الزمن ، واتساع إمكانات مناهج البحث وتكشف المزيد من الحقائق المضادّة عجز هذا الدافع عن أن يكون وراء كل ظاهرة ، أو أن يفسّر كلّ حدث ، تراجعوا بدورهم وخفّفوا من تبنّيهم للدافع ، مفسحين المجال لفاعلية العوامل الآخرى التي لا تقل أهمية بحال من الأحوال . . أما المستشرقون عموما فقد تأخّروا بعض الشيء في اعتماد هذا الدافع ربما لأنّ وقائع التاريخ الإسلامي تتأبّى ، أكثر من الأحداث التاريخيّة الأوربية ، على دافع كهذا . . ولقد مرّ بنا كيف كان ( وات ) واحدا من الذين رفضوا الأخذ بمنطق التفسير المادي للتاريخ . . ولكن ذلك لم يكن يعني بالنسبة إليه ، تجاوز الأخذ بمنطق التأثيرات الاقتصادية في التاريخ . . فإن القول بفعالية العامل الاقتصادي في التاريخ