عماد الدين خليل
108
المستشرقون والسيرة النبوية
شيء آخر تماما غير ما تريد المادية التاريخية أن تقوله ، فتجعل من هذا العامل الطاقة الحركيّة الأساسيّة للفعل التاريخي ، وتتّخذه قاعدة تحتيّة لسائر المناشط الحضارية . . وإذا كان ( وات ) يرفض هذا التوجه أحادي الجانب ؛ فإنه يتشبّث بدور العامل الماديّ عموما ، والاقتصادي على وجه الخصوص ، في الحركة التاريخية . . وهو يقول بهذا الصدد : « إن اهتمام المؤرخين ومناهجهم قد تغيّرت خلال نصف القرن الأخير ، ولا سيّما أنهم أدركوا بصورة أفضل العوامل المادّية الكامنة في التاريخ . يعني ذلك : أنّ مؤرخي منتصف القرن العشرين يهتمون أكثر بتحديد أثر كثير من المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، دون أن يهملوا الجانب الديني أو يقلّلوا من شأنه ، حتى إن الذين ( من أمثالي ) يرفضون القول بأن مثل هذه العوامل يمكنها أن تحدد بصورة مطلقة سير الأمور ؛ يجب عليهم مع ذلك أن يعترفوا بأهميتها . وليست ميّزة هذه السيرة لمحمد أن تستعرض المصادر المعروضة عليها بقدر اهتمامها بهذه العوامل المادية ومحاولتها أن تقدّم جوابا على العديد من الأسئلة التي قلّما أثيرت في الماضي » « 1 » . ومع هذه التحفّظات التي يطرحها ( وات ) فإننا نجده ينساق بين الحين والآخر ، وراء إغراء هذا التقليد المنهجي القائم على منح الأهمية ، وربما الأولوية ، للعامل الاقتصادي لكي يفسّر وقائع من السيرة تندّ بطبيعتها عن أن تكون تمخّضا عن العلاقات الاقتصادية ، في إطار حركة دينية كسرت - كما رأينا في بدء البحث - كل ( التنظيرات ) المادية التي أريد إخضاعها لها ! ! فهو - مثلا - يقتبس فكرة الصراع الطبقي في حديثه عن المنتمين للإسلام في العصر المكّي ، فيرى أن الإسلام « لم يستمدّ قوته من رجال الدرجة
--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، المقدمة ، ص 6 - 7 .