محمود سالم محمد

98

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

فأخذ الشعراء هذا المعنى ، واستخدموه عند التعزية ، وعند التفكّر في المصائب ، ومن ذلك قول ديك الجن « 1 » : تأمّل إذا الأحزان فيك تكاثفت * أعاش رسول اللّه أم ضمّه قبّر « 2 » إن العصر العباسي عصر طويل نسبيا ، ولم تسر فيه الأمور رتيبة متشابهة ، ولم تكن الظروف متماثلة ، ولذلك كان لا بد من اختلاف الظواهر الأدبية وتطورها ، وليس دمج الحقب العباسية في عصر واحد إلا لتسهيل الدراسة ، فخصائص الأدب في صدر العصر العباسي تختلف عنها في نهايته ، إذ إن القسم الثاني من زمن الدولة العباسية شهد سيطرة العناصر الأعجمية على الخلافة ، وانقسام الدولة إلى ممالك لا تدين للخلافة العباسية إلا بالولاء الإسمي فقط ، ولكن هذا لا يعني أن الحركة الثقافية قد انقسمت إلى حركات متباينة ، ولا يعني أن الأدب العربي في هذا العصر قد اختلف بين دولة وأخرى ، لأن الثقافة والأدب ظلّا على تواصلهما وتفاعلهما ، وإن تلون الأدب بألوان خافتة ، تظهر أثر القطر الذي كتب فيه ، فقد بقي تطور الأدب العربي على خط واحد تقريبا في جميع الأقطار العربية الإسلامية وبقيت الظواهر الأدبية العامة مشتركة بينها ، فلا يظهر فن أدبي في هذا القطر ، حتى ينتشر بسرعة كبيرة في الأقطار العربية الإسلامية الآخرى ، ولا تشيع طريقة فنية في قطر حتى يتلقفها الأدباء في بقية الأقطار ، حتى يصعب على الباحث أن يقرر أوّلية هذا الفن أو ذاك ، وهذه الطريقة أو تلك ، ومن هذه الفنون فن المدائح النبوية ، الذي يصعب معرفة أين ظهر متكاملا أول مرة ، أفي مشرق الوطن العربي الإسلامي أم في مغربه ، هذا إذا استثنينا عصر البعثة النبوية ، وإني هنا سأتحدث عن

--> ( 1 ) ديك الجن : عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام الكلبي ، شاعر مجيد فيه مجون ، أصله من سلمية قرب حماه ، لم يفارق بلاد الشام ولم ينتجع بشعره ، له ديوان شعر ، مولده ووفاته بحمص سنة ( 235 ه ) . ابن خلكان : وفيات الأعيان 3 / 184 . ( 2 ) الراغب الأصفهاني : محاضرات الأدباء 2 / 230 .