محمود سالم محمد
513
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وتمضي القصيدة على هذا النحو ، ظاهرها مدح لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وباطنها عناية بالبديع ، وإيراد لشواهده ، فكأن الشاعر يريد نشر فضائل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسيرته ومعجزاته ، ونشر فن البديع بين الناس سواء بسواء . وتابع الشعراء الحلي في صنيعه هذا ، ولم يخرجوا عن الصورة التي وضعه بها ، ومنهم ابن جابر الأندلسي الذي نظم بديعية سمّاها ( الحلة السيرا في مدح خير الورى ) ، قال في مقدمتها : « فأنشأت في مدحه صلّى اللّه عليه وسلّم قصيدة وشيّت بألقاب البديع بردها ، وتوخيت فيها من موارد الثناء ، ما يجد المؤمن على قلبه بردها » « 1 » وبدأها بقوله : بطيبة انزل ويمّم سيّد الأمم * وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم وابذل دموعك واعدل كلّ مصطبر * والحق بمن سار والحظ ما على العلم سنا نبيّ أبيّ أن يضيّعنا * سليل مجد سليم العرض محترم جميل خلق على حقّ جزيل ندى * هدى وفاض ندى كفّيه كالدّيم « 2 » وهذه الأبيات شواهد على براعة الاستهلال والجناس بأنواعه . ثم أتى عز الدين الموصلي « 3 » ، فتابع صاحبيه ، ونظم بديعية مماثلة لبديعيتيهما ، لكنه زاد عليهم ذكر اسم النوع البديعي الذي يدرجه في البيت ، فزاد الأمر تعقيدا على تعقيد ، واقترب بالبديعيات أكثر نحو المنظومات التعليمية الصرفة ، فقال فيها : براعتي تستهلّ الدّمع في العلم * عبارة عن نداء المفرد العلم ملفّق ظاهر سرّي وشان دمي * لمّا جرى من عيوني إذ وشى ندمي يذيّل الدّمع جار جارح بأذى * كلاحق ماحق الآثار في الأكم « 4 »
--> ( 1 ) ابن جابر : الحلة السيرا ص 27 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 28 . ( 3 ) عز الدين الموصلي : علي بن الحسين بن علي ، أديب شاعر ، أقام في حلب وانتقل إلى دمشق ، وفيها توفي سنة ( 789 ه ) . الدرر الكامنة : 3 / 112 . ( 4 ) ابن حجة : خزانة الأدب ص 12 وما بعدها .